وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون «من» على أصل التقاء الساكنين ، وضمّها الباقون إتباعا لضمّ الثالث. وليس هذا الخلاف مقصورا على هذه الكلمة ، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين ، وضمّ الثالث ضمّا لازما نحو : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ)(١) (قُلِ ادْعُوا)(٢) (قالَتِ اخْرُجْ)(٣) جرى الخلاف المذكور. إلّا أنّ أبا عمرو خرج عن أصله في «أو» (٤) ، و «قل» (٥) فضمّهما ، وابن ذكوان خرج عن أصله فكسر التنوين خاصة نحو : (مَحْظُوراً انْظُرْ)(٦) ، واختلف عنه في : (بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا)(٧) ، و (خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ)(٨) ، وسيأتي بيان الحكمة في ذلك عند ذكره إن شاء الله تعالى.
قوله : (غَيْرَ باغٍ) نصب على الحال ، واختلف في صاحبها ، فالظاهر أنه هو الضمير المستتر في «اضطرّ» ، وجعله القاضي وأبو بكر الرازي من فاعل فعل محذوف بعد قوله : «اضطرّ» ، قالا : تقديره : فمن اضطرّ فأكل غير باغ ، كأنهما قصدا بذلك أن يجعلاه قيدا في الأكل لا في الاضطرار. قال الشيخ (٩) «ولا يتعيّن ما قالاه» ، إذ يحتمل أن يكون هذا المقدّر بعد قوله : «غير باغ ولا عاد» بل هو الظاهر والأولى ، لأنّ في تقديره قبل «غير باغ» فصلا بين ما ظاهره الاتصال بما بعده ، وليس ذلك في تقديره بعد قوله : «غير باغ».
و «عاد» اسم فاعل من عدا يعدو إذا تجاوز حدّه ، والأصل : عادو ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كغاز من الغزو. وهذا هو الصحيح ، وفيه قول ثان : أنه مقلوب من عاد يعود فهو عائد ، فقدّمت اللام على العين فصار اللفظ : عادو ، فأعلّ بما تقدّم ، ووزنه : فالع ، كقولهم : شاك في شائك من الشوكة ، وهار والأصل هائر ، لأنه من هار يهور ، قال أبو البقاء : «ولو جاء في غير القرآن منصوبا عطفا على موضع «غير» جاز» يعني فكان يقال : ولا عاديا.
وقد اختلف القرّاء في حركة التقاء الساكنين من نحو : «فمن اضطرّ» وبابه ، فأبو عمرو وحمزة وعاصم على كسر الأول منهما ، والباقون على الضم إلا ما يستثنى لبعضهم. وضابط محلّ اختلافهم : كلّ ساكنين التقيا من كلمتين ثالث ثانيهما مضموم ضمة لازمة ، نحو : «فمن اضطرّ» (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً)(١٠) (قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ)(١١) (قُلِ ادْعُوا اللهَ)(١٢) (أَنِ اعْبُدُوا)(١٣) (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ)(١٤) (مَحْظُوراً انْظُرْ)(١٥) وفهم من قولي «كلمتين» الاحتراز من أن يفصل بينهما بكلمة أخرى نحو : (إِنِ الْحُكْمُ)(١٦) فإنّ هذا وإن صدق عليه أنّ الثالث مضموم ضما لازما ؛ إلا أنه قد فصل بينهما بكلمة أخرى وهي أل المعرفة. ومن قولي : «ضمة لازمة» الاحتراز من نحو : (أَنِ امْشُوا)(١٧) فإنّ الشين أصلها الكسر ، فمن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ، ومن ضمّ فللإتباع.
واستثني لأبي عمرو موضعان فضمّهما : وهما : (قُلِ ادْعُوا أَوِ انْقُصْ مِنْهُ) ، واستثني لابن ذكوان عن ابن
__________________
(١) سورة الأنعام ، آية (١٠).
(٢) سورة الإسراء ، آية (١١٠).
(٣) سورة يوسف ، آية (٣١).
(٤) سورة المزمل ، آية (٣).
(٥) سورة الإسراء ، المتقدمة.
(٦) سورة الإسراء ، آيتين (٢٠ ـ ٢١).
(٧) سورة الإسراء ، آية (٤٩).
(٨) سورة إبراهيم ، آية (٢٦).
(٩) انظر البحر المحيط (١ / ٤٩٠).
(١٠) سورة المزمل ، آية (٣).
(١١) سورة يوسف ، آية (٣١).
(١٢) سورة الإسراء ، آية (١١٠).
(١٣) سورة المائدة ، آية (١١٧).
(١٤) سورة الأنعام ، آية (١٠).
(١٥) سورة الأنعام ، آيتين (٢٠ ـ ٢١).
(١٦) سورة الأنعام ، آية (٥٧).
(١٧) سورة ص ، آية (٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)