ابن عطية : واشكروا لي ، واشكروني بمعنى واحد ، و «لي» أفصح وأشهر مع الشكر ، ومعناه نعمتي وأباديّ ، وكذلك إذا قلت : شكرتك فالمعنى شكرت لك صنيعك ، وذكرته فحذف المضاف إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معا ، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف.
قوله تعالى : (أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ) : خبر مبتدأ محذوف أي : لا تقولوا : هم أموات ، وكذلك «أحياء» خبر مبتدأ محذوف أي : بل هم أحياء ، وقد راعى لفظ من مرة ، فأفرد في قوله «يقتل» ومعناها أخرى فجمع في قوله (أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ) واللام هنا للعلة ، ولا تكون للتبليغ لأنهم لم يبلغوا الشهداء قولهم ، هذا والجملة من قوله : «هم أموات» في محل نصب بالقول لأنها محكية به وأم ا «بل هم أحياء» فيتحمل وجهين :
أحدهما : ألا يكون له محل من الإعراب ، بل هو إخبار من الله ـ تعالى ـ بأنهم أحياء ، ويرجحه قوله : (وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) إذا المعنى لا شعور لكم بحياتهم.
والثاني : أن يكون محله النصب ، بقول محذوف تقديره بل قولوا هم أحياء ، ولا يجوز أن ينتصب بالقول الأول لفساد المعنى ، وحذف مفعول «يشعرون» لفهم المعنى أي : بحياتهم.
قوله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) هذا جواب قسم محذوف ، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا وجب تلقيه باللام ، وإحدى النونين خلافا للكوفيين ، حيث يعاقبون بينهما ، ولا يجيز البصريون ذلك إلا في ضرورة ، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون ، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من خلاف.
وقوله : (بِشَيْءٍ) متعلق بقوله : (لَنَبْلُوَنَّكُمْ) والباء معناها الإلصاق. وقراءة الجمهور على إفراد شيء ، ومعناها الدلالة على التقلل إذ لو جمعه لا حتمل أن يكون ضروبا من كل واحد ، وقرأ الضحاك بن مزاحم «بأشياء» على الجمع ، وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره : وبشيء من الجوع وبشيء من النقص ، وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا ، وقوله : (مِنَ الْخَوْفِ) في محل جر صفة لشيء ، فيتعلق بمحذوف.
قوله : (وَنَقْصٍ) فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون معطوفا على شيء والمعنى : بشيء من الخوف وبنقص.
والثاني : أن يكون معطوفا على الخوف أي : وبشيء من نقص الأموال ، والأول أولى لاشتراكهما في التنكير.
قوله : (مِنَ الْأَمْوالِ) فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن يكون متعلقا بنقص لأنه مصدر نقص ، وهو يتعدى إلى واحد وقد حذف أي : ونقص شيء من كذا.
الثاني : أن يكون في محل جر صفة لذلك المحذوف ، فيتعلق بمحذوف أي : ونقص شيء كائن من كذا.
الثالث : أن يكون في محل صفة لمفعول محذوف ، نصب بهذا المصدر المنون ، والتقدير : ونقص شيئا كائنا من كذا ، ذكره أبو البقاء ويكون معنى «من» على هذين الوجهين التبعيض.
الرابع : أن يكون في محل جر صفة ل «نقص» فيتعلق بمحذوف أيضا ، أي : نقص كائن من كذا ، وتكون «من» لابتداء الغاية.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)