والثاني : وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن اللام زائدة في الأصل قال الزمخشري : المعنى وكل وجهة الله موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ، ولزيد أبوه ضاربه.
قال الشيخ (١) : وهذا فاسد ، لأن العامل إذا تعدى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور باللام لا تقول : لزيد ضربته ولا : لزيد أنا ضاربه لئلا يلزم أحد محذورين وهما : إما لأنه يكون العامل قويا ضعيفا ، وذلك أنه من حيث تعدى للضمير بنفسه يكون قويا ، ومن حيث تعدى للظاهر باللام يكون ضعيفا ، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعديا لاثنين ، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله :
|
٧٧٥ ـ هذا سراقة للقرآن يدرسه |
|
والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٢) |
على أن الضمير في يدرسه للمصدر أي : يدرس الدرس لا للقرآن لأن الفعل قد تعدى إليه ، وأما تمثيله بقوله : «لزيد ضربت» فليس نظير الآية ، لأنه لم يتعد في هذا المثال إلى ضميره ، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال فتقدر عاملا في «لكل وجهة» يفسره «موليها» ، لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجرورا بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى ، ولا يجوز جر المشتغل عنه بحرف ، تقول : زيدا مررت به أي : لا بست زيدا مررت به ، ولا يجوز : لزيد مررت به قال تعالى : (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ)(٣) وقال :
|
٧٧٦ ـ أثعلبة الفوارس أم رياحا |
|
عدلت بهم طهيّة والخشابا (٤) |
فأتى بالمشتغل عنه منصوبا ، وأما تمثيله بقوله : لزيد أبوه ضاربه فتركيب غير عربي الثالث : أن «لكل وجهة» متعلق بقوله : «فاستبقوا الخيرات» أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ، وإنما قدم على العامل للاهتمام به كما يقدم المفعول ، ذكره ابن عطية ، ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن «لكل وجهة» في موضع المفعول الثاني لموليها ، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو «مول» ، وهو «ها» وتكون عائدة على الطوائف ويكون التقدير : وكل وجهة الله مولي الطوائف أصحاب القبلات ، وزيدت اللام في المفعول لتقدمه ، ويكون العامل فرعا ، لأن النحويين نصوا على أنه لا يجوز زيادة اللام لتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط ، و «مولّ» مما يتعدى لاثنين فامتنع ذلك فيه ، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب على الزمخشري فيما اعترض به عليه الشيخ من كون الفعل إذا تعدى للظاهر فلا يتعدى لضميره ، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب «مول» ليس بضمير المفعول ؛ بل ضمير المصدر وهو التولية ، ويكون المفعول الأول محذوفا ، والتقدير : الله مولي التولية كل وجهة أصحابها ، فلما قدم المفعول على العامل قوي باللام لو لا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة.
قوله : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) «الخيرات» منصوبة على إسقاط حرف الجر التقدير : إلى الخيرات كقول الراعي :
__________________
(١) البحر المحيط (١ / ٤٣٨).
(٢) البيت من شواهد الكتاب (٣ / ٦٧) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٢٣٩) ، المقرب (١ / ١١٥) ، تعليق الفرائد (١ / ١٤٨٧) ، التصريح (١ / ٣٢٦) ، الخزانة (٢ / ٣) ، (٥ / ٢٦) ، الهمع (٢ / ٣٣) ، شرح شواهد المغني (٢٠٠) سراقة رجل من القراء نسب إليه الرياء وقبول الرشا وحرصه عليها حرص الذئب على فريسته.
(٣) سورة الإنسان ، آية (٣١).
(٤) البيت لجرير انظر ديوانه (٥٩) ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ١٠٢) ، (٣ / ١٨٣) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٣٣١) ، مجاز القرآن (٢ / ١٤٨) ، التصريح (١ / ٣٠٠) ، الأشموني (٢ / ٧٨) ، المعنى : لا يصح أن تساوي بين إحدى القبيلتين العظيمتين وبين القبيلتين الوضيعتين اللتين لا قيمة لهما.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)