فصيح ، ولا يجوز أن يكون «أجعل» المقدرة بمعنى أخلق وأوجد فيتعدى لواحد ويتعلق «من ذريتنا» به ويكون «أمة» مفعولا به ، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول ، والعامل الأول ليس معناه «اخلق» إنما معناه صير ، وإن كان من عطف الجمل فلا يحذف إلا ما دل عليه المنطوق ، والمنطوق ليس بمعنى الخلق فكذلك المحذوف ، ألا تراهم منعوا في قوله : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ)(١) أن يكون التقدير : وملائكته يصلون لاختلاف مدلول الصلاتين ، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما ، وقوله «لك» فيه الوجهان المتقدمان بعد «مسلمين».
قوله : (وَأَرِنا مَناسِكَنا) الظاهر أن الرؤية هنا بصرية ، فرأى في الأصل يتعدى لواحد ، فلما دخلت همزة النقل أكسبتها مفعولا ثانيا ف «نا» مفعولا أول و «مناسكنا» مفعول ثان ، وأجاز الزمخشري أن تكون منقولة من «رأي» بمعنى عرف ، فتتعدى أيضا لاثنين كما تقدم ، وأجاز قزم فيما حكاه ابن عطية أنها هنا قلبية ، والقلبية قبل النقل تتعدى لاثنين كقوله :
|
٧٢٧ ـ وإنّا لقوم لا نرى القتل سبّة |
|
إذا ما رأته عامر وسلول (٢) |
وقال الكميت :
|
٧٢٨ ـ بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة |
|
ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب (٣) |
وقال ابن عطية : ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة ، وينفصل عنه بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى ، وأنشد قول حطائط بن يعفر :
|
٧٢٩ ـ أريني جوادا مات هزلا لأنّني |
|
أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا (٤) |
يعني : أنه قد تعدت «علم» القلبية إلى اثنين ، سواء كانت مجردة من الهمزة أم لا ، وحينئذ يشبه أن يكون ما جاء فيه فعل وأفعل بمعنى وهو غريب ، ولكن جعله بيت حطائط من رؤية القلب ممنوع ، بل معناه من رؤية البصر ، ألا ترى أن قوله «جوادا مات» من متعلقات البصر ، فيحتاج في إثبات تعدى «أعلم» القلبية إلى اثنين إلى دليل وقال بعضهم (٥) : هي هنا بصرية قلبية معا ، لأن الحج لا يتم إلا بأمور منها ما هو معلوم ومنها ما هو مبصر ، ويلزمه على هذا الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو استعمال المشترك في معنييه معا.
وقرأ الجمهور : «أرنا» بإشباع كسر الراء هنا ، وفي النساء (٦) وفي الأعراف (٧) : (أَرِنِي أَنْظُرْ) وفي
__________________
(١) سورة الأحزاب ، آية (٤٣).
(٢) البيت للسموأل انظر الحماسة (١ / ٨٠) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٣٩٠).
(٣) انظر المحتسب (١ / ١٧٣) ، الخزانة (٤ / ٥) ، الهمع (١ / ١٥٢) ، العيني (٢ / ٤١٣) ، التصريح (١ / ٢٥٩) ، الدرر (١ / ١٣٤) ، تعليق الفرائد (١ / ٥٧٤) ، المقرب (١ / ١١٦) ، أوضح المسالك (١ / ٢٠٢) ، والمعنى فيه أنه ينعى على الذي يعيب عليه حب أهل البيت فيقول له إلى أي شيء تستند؟ وبأي آية تستأنس فيم تحكم به.
(٤) وينسب هذا البيت أيضا لحاتم الطائي وهو في ديوانه (٤٠) ، وفي شرح المفصل لابن يعيش (٨ / ٧٨) ، الخزانة (١ / ١٩٥) ، التصريح (١ / ١١١) ، الطبري (٣ / ٧٨) ، مجاز القرآن (١ / ٥٥) ، عيون الأخبار (٣ / ١٨١) ، أمالي القالي (٢ / ٧٩) ، القرطبي (٢ / ٨٧) ، اللسان «علل» «أنن». والشاعر في هذا البيت يخاطب امرأة قائلا أريني كريما مات من الهزل والضعف لذهاب ما بيديه من المال في الكرم أو بخيلا خلده ماله.
(٥) انظر البحر المحيط (١ / ٣٩٠).
(٦) سورة النساء ، آية (١٥٣).
(٧) سورة الأعراف ، آية (١٤٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)