بذكر هذه الصفة على التربية والإصلاح ، وتقبل معنى اقبل فتفعل هنا بمعنى المجرد ، وتقدم الكلام على نحو «إنك أنت السميع» من كون «أنت» يجوز فيه التأكيد والابتداء والفصل وتقدمت فيه صفة السمع ، وإن كان سؤال التقبل متأخرا عن العمل للمجاورة كقوله : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ)(١) تأخرت صفة العلم لأنها فاصلة ، ولأنها تشمل المسموعات وغيرها.
قوله : (مُسْلِمَيْنِ) مفعول ثان لجعل لأنه بمعنى التصيير ، والمفعول الأول هو «نا» وقرأ ابن العباس «مسلمين» بصيغة الجمع ، وفي ذلك تأويلان :
أحدهما : أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع وبه استدل من يجعل التثنية جمعا.
والثاني : أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما كهاجر.
قوله : (لَكَ) فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق بمسلمين ، لأنه بمعنى نخلص لك أوجهنا نحو : (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ) فيكون المفعول محذوفا لفهم المعنى.
والثاني : أنه نعت لمسلمين أي : مسلمين مستقرين لك ، أي : مستسلمين ، والأول أقوى معنى.
قوله : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً) فيه قولان :
أحدهما : ـ وهو الظاهر ـ أن «من ذريتنا» صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول و «أمة مسلمة» مفعول ثان تقديره : واجعل فريقا من ذريتنا أمة مسلمة ، وفي «من» حينئذ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها للتبعيض.
والثاني : أجازه الزمخشري أن تكون للتبيين ، قال : كقوله : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)(٢).
والثالث : أن تكون لابتداء غاية الجعل قاله أبو البقاء.
الثاني من القولين : أن يكون أمة هو المفعول الأول و «من ذريتنا» حال منها ، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلما قدم عليها انتصب حالا و «مسلمة» هو المفعول الثاني ، والأصل : «واجعل أمة من ذريتنا مسلمة» فالواو داخلة في الأصل على «أمة» وإنما فصل بينهما بقوله : «من ذريتنا» وهو جائز ، لأنه من جملة الكلام المعطوف. وفي إجازته ذلك نظر ، فإن النحويين كأبي علي وغيره منعوا الفصل بالظرف بين حرف العطف إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف ، وجعلوا قوله :
|
٧٢٦ ـ يوما تراها كشبه أردية ال |
|
عصب ويوما أديمها نغلا (٣) |
ضرورة ، فالفصل بالحال أبعد وصارما أجازه نظير قولك : «ضرب الرجل ومتجردة المراءة زيد» وهذا غير
__________________
(١) سورة آل عمران ، آية (١٠٦).
(٢) سورة النور ، آية (٥٥).
(٣) البيت للأعشى انظر ديوانه (١٥٤) ، الخصائص (٢ / ٣٩٥) ، اللسان «نغل».
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)