وقال الزمخشري : «ومن كفر» عطف على «من آمن» كما عطف «ومن ذريتي» على الكاف في «جاعلك».
قال الشيخ (١) : أما عطف من كفر على «من آمن» فلا يصح ، لأنه يتنافى تركيب الكلام لأنه يصير المعنى : قال إبراهيم : وارزق من كفر لأنه لا يكون معطوفا عليه حتى يشركه في العامل ، ومن آمن العامل فيه فعل الأمر وهو العامل في «ومن كفر» وإذا قدرته أمرا تنافى مع قوله «فأمتعه» لأن ظاهر هذا إخبار من الله بنسبة التمتع وإلجائهم إليه ـ تعالى ـ وأن كلا من الفعلين تضمن ضميرا ، وذلك لا يجوز إلا على بعد بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير لله ـ تعالى ـ أي : قال إبراهيم وارزق من كفر فقال الله أمتعه قليلا ثم اضطره ، ثم ناقض الزمخشري قوله هذا ، أنه عطف على «من» كما عطف «ومن ذريتي» على الكاف في «جاعلك» فقال : فإن قلت لما خص إبراهيم المؤمنين حتى رد عليه؟ قلت : قاس الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما ، بأن الإمامة لا تكون للظالم ، وأما الرزق فربما يكون استدراجا والمعنى : قال وأرزق من كفر فأمتعه ، فظاهر قوله : «والمعنى قال» أن الضمير في قال لله ـ تعالى ـ وأن «من كفر» منصوب بالفعل المضارع المسند لضمير المتكلم.
و «قليلا» نعت لمصدر محذوف أو زمان ، وقد تقدم له نظائر واختيار سيبويه فيه ، وقرأ الجمهور : «أضطره» خبرا ، وقرأ يحيى بن وثاب : «إضطره» بكسر الهمزة ووجهها كسر حرف المضارعة ، كقولهم في أخال : إخال ، وقرأ ابن محيصن : «أضطره» بإدغام الضاد في الطاء نحو : اطّجع في اضطجع ، وهي مرزولة لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ولا تدغم هي في غيرها وهي حروف : ضم شغر نحو : اطجع في اضطجع قاله الزمخشري ، وفيه نظر فإن هذه الحروف قد أدغمت في غيرها ، أدغم أبو عمرو الداني اللام في (يَغْفِرْ لَكُمْ)(٢) والضاد في الشين : (لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ)(٣) والشين في السين : (الْعَرْشِ سَبِيلاً)(٤) وأدغم الكسائي الفاء في الباء : (نَخْسِفْ بِهِمُ)(٥) وحكى سيبويه أن «مضجعا» أكثر فدل على أن «مطجعا كثيرا».
وقرأ يزيد (٦) بن أبي حبيب : «أضطره» بضم الطاء كأنه للأتباع. وقرأ أبي «فنمتعه ثم نضطره» بالنون.
واضطر افتعل من الضرّ وأصله : اضتر فأبدلت التاء طاء ، لأن تاء الافتعال تبدل طاء بعد حروف الإطباق ، وهو معتد وعليه جاء التنزيل وقال :
|
٧٢٥ ـ اضطرّك الحرز من سلمى إلى أجإ |
|
............... (٧) |
والاضطرار : الإلجاء والإلزاز إلى الأمر المكروه.
قوله : (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «المصير» فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي : النار ومصير : مفعل من صار يصير وهو صالح للزمان والمكان ، وأما المصدر فقياسه الفتح لأن ما كسر عين مضارعه فقياس ظرفية الكسر ومصدره الفتح ولكن النحويين اختلفوا فيما كانت عينه ياء على ثلاثة مذاهب :
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٨٥).
(٢) سورة نوح ، آية (٤).
(٣) سورة النور ، آية (٦٢).
(٤) سورة الإسراء ، آية (٤٢).
(٥) سورة سبأ ، آية (٩).
(٦) يزيد بن سويد الأزدي بالولاء المصري أبو رجاء مفتي أهل مصر في صدر الإسلام وأول من أظهر علوم الدين والفقه بها قال الليث : يزيد عالمنا وسيدنا توفي سنة ١٢٨ ه ، التذكرة (١ / ١٢١) ، التهذيب (١١ / ٣١٨) ، الأعلام (٨ / ١٨٤).
(٧) البيت من شواهد البحر (١ / ٣٧٣) ، وهو في اللسان «أجأ».
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)