في قوله : «كان» وعلى معناها ثانيا يكون الخبر غير فعل ، بل وصفا يفصل بين مذكره ومؤنثه تاء التأنيث ، فمذهب جمهور البصريين والكوفيين جوازه ، ومذهب غيرهم منعه منهم أبو العباس وهم محجوجون بسماعه من العرب كهذه الآية ، فإن هودا جمع هائد على أظهر القولين نحو : بازل وبزل وعائد وعود وحائل وحول وبائر وبور و «هائد» من الأوصاف الفارق بين مذكرها ومؤنثها تاء التأنيث ، وقال الشاعر :
|
٦٨٢ ـ وأيقظ من كان منكم نياما |
|
............... (١) |
و «نيام» جمع نائم ، وهو كالأول وفي «هود» ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه جمع هائد كما تقدم.
والثاني : أنه مصدر على فعل نحو حزن وشرب يوصف به الواحد وغيره نحو : عدل وصوم.
والثالث : ـ وهو قول الفراء ـ أن أصله «يهود» فحذفت الياء من أوله ، وهذا بعيد جدا.
و «أو» هنا للتفصيل والتنويع ، لأنه لما لف الضمير في قوله : «وقالوا» فصّل القائلين ، وذلك لفهم المعنى وأمن الإلباس ، والتقدير : وقال اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقال النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، لأن من المعلوم أن اليهود لا تقول : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، وكذلك النصارى ونظيره : (قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى)(٢) إذ معلوم أن اليهود لا تقول : كونوا نصارى ، ولا النصارى تقول : كونوا هودا : وصدرت الجملة بالنفي ب «لن» لأنها تخلص للاستقبال ودخول الجنة مستقبل. وقدمت اليهود على النصارى لفظا لتقديمهم زمانا.
قوله : (تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) «تلك» مبتدأ و «أمانيهم» خبره ، ولا محل لهذه الجملة لكونها اعتراضا بين قوله : «وقالوا» وبين : «قل هاتوا برهانكم» فهي اعتراض بين الدعوى ودليلها. والمشار إليه ب «تلك» فيه ثلاثة احتمالات :
أحدها : أنه المقالة المفهومة من : «قالوا لن يدخل» أي : تلك المقالة أمانيهم ، فإن قيل : فكيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر؟ فالجواب أن تلك كناية عن المقالة ، والمقالة في الأصل مصدر ، والمصدر يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع فالمراد ب «تلك» الجمع من حيث المعنى.
والثاني : ـ قاله الزمخشري ـ وهو أن يشار بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم ألا ينزّل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم.
قال الشيخ (٣) : «وهذا ليس بظاهر ، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء قد كملت وانفصلت واستقلت بالنزول ، فيبعد أن يشار إليها».
والثالث ـ وإليه ذهب الزمخشري أيضا ـ أن يكون على حذف مضاف أي : أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، يريد أن
__________________
(١) البيت من شواهد البحر (١ / ٣٥٠).
(٢) سورة البقرة ، آية (١٣٥).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ٣٥٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)