الحمل على الفعل في باب الاشتغال. وليس المرجّح كونه تقدّمه لا النافية ، فإنّها ليست من الأدوات المختصّة بالفعل ولا الأولى به ، خلافا لابن السّيد حيث زعم أنّ «لا» النافية من المرجّحات لإضمار الفعل ، وهو قول مرغوب عنه ، ولكنه قوي من حيث البحث. فقوله : (يُنْصَرُونَ) لا محلّ له على هذا لأنه مفسّر ، ومحلّه الرفع على الأول لوقوعه موقع الخبر.
قوله تعالى : (وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) .. التضعيف في «قفّينا» ليس للتعدية ، إذ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين لأنه قبل التضعيف يتعدّى لواحد ، نحو : قفوت زيدا ، ولكنه ضمّن معنى «جئنا» كأنه قيل : وجئنا من بعده بالرسل. فإن قيل : يجوز أن يكون متعدّيا لاثنين على معنى أنّ الأول محذوف والثاني «بالرسل» والباء فيه زائدة تقديره : «وقفيناه من بعده الرسل». فالجواب أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التقدير ، وسيأتي لذلك مزيد بيان في المائدة إن شاء الله تعالى.
وقفّينا أصله : قفّونا ، ولكن لمّا وقعت الواو رابعة قلبت ياء ، واشتقاقه من قفوته إذا اتّبعت قفاه ، ثم اتّسع فيه ، فأطلق على كلّ تابع ، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع ، وقال أمية :
|
٦٠٥ ـ قالت لأخت له قصّيه عن جنب |
|
وكيف تقفو ولا سهل ولا جبل (١) |
والقفا مؤخّر العنق ، ويقال له : القافية أيضا ، ومنه قافية الشّعر ، لأنها تتلو بناء الكلام وآخره ، ومعنى قفّينا أي : أتبعنا كقوله : «ثم أرسلنا رسلنا تترى».
و (مِنْ بَعْدِهِ) متعلّق به ، وكذلك (بِالرُّسُلِ) ، وهو جمع رسول بمعنى مرسل ، وفعل غير مقيس في فعول بمعنى مفعول ، وسكون العين لغة الحجاز وبها قرأ يحيى والحسن ، والضمّ لغة تميم ، وقد قرأ السبعة بلغة تميم إلا أبا عمرو فيما أضيف إلى «نا» أو «كم» أو «هم» فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات.
قوله : (عِيسَى) علم أعجمي فلذلك لم ينصرف ، وقد تكلّم النحويون في وزنه واشتقاقه على تقدير كونه عربيّ الوضع ، فقال سيبويه : «وزنه فعلى والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء معزى» يعني بالياء الألف ، سمّاها ياء لكتابتها بالياء. وقال الفارسي : «ألفه ليست للتأنيث كذكرى ، بدلالة صرفهم له في النكرة». وقال عثمان بن سعيد الصّيرفي : «وزنه فعلل» فالألف عنده أصلية بمعنى أنها منقلبة عن أصل. وردّ ذلك عليه ابن الباذش بأنّ الياء والواو لا يكونان أصلين في بنات الأربعة ، فمن قال إنّ «عيسى» مشتقّ من العيس وهو بياض تخالطه شقرة كأبي البقاء وغيره ليس بمصيب لأنّ الأعجميّ لا يدخله اشتقاق ولا تصريف. وقال الزمخشري : «وقيل : عيسى بالسّريانية : أيسوع».
قوله : (ابْنَ مَرْيَمَ) عطف بيان أو بدل ، ويجوز أن يكون صفة إلا أنّ الأول أولى لأنّ «ابن مريم» جرى مجرى العلم له. وللوصف بابن أحكام تخصّه ستأتي مبينة إن شاء الله تعالى ، وتقدّم اشتقاق «ابن» وأصله.
ومريم أصله بالسريانية صفة بمعنى الخادم ثم سمّي به فلذلك لم ينصرف ، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكثر مخالطة الرجال كالزّير من الرجال وهو الذي يكثر مخالطتهنّ ، قال رؤبة :
__________________
(١) انظر ديوانه (٢٦) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٢٩٧).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)