(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(٨٠)
قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) .. (مِنْهُمْ) خبر مقدّم ، فيتعلّق بمحذوف. و (أُمِّيُّونَ) مبتدأ مؤخر ، ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلا بالظرف قبله وإن لم يعتمد ، وقد بيّنت على ما ذا يعتمد فيما تقدّم. «وأمّيّون جمع أمّيّ وهو من لا يكتب ولا يقرأ ، واختلف في نسبته ، فقيل : إلى الأم وفيه معنيان :
أحدهما : أنه بحال أمّه التي ولدته من عدم معرفة الكتابة وليس مثل أبيه ، لأن النساء ليس من شغلهنّ الكتابة.
والثاني : أنّه بحاله التي ولدته أمّه عليها لم يتغيّر عنها ولم ينتقل. وقيل : نسب إلى الأمّة وهي القامة والخلقة ، بمعنى أنه ليس له من الناس إلا ذلك. وقيل : نسب إلى الأمّة على سذاجتها قبل أن تعرف الأشياء كقولهم : عامّي أي : على عادة العامّة. وعن ابن عباس : «قيل لهم أمّيّون لأنهم لم يصدّقوا بأم الكتاب» وقال أبو عبيدة : «قيل لهم أمّيّون لإنزال الكتاب عليهم كأنهم نسبوا لأمّ الكتاب».
وقرأ ابن أبي عبلة : «أمّيون» بتخفيف الياء ، كأنه استثقل توالي تضعيفين.
قوله : (لا يَعْلَمُونَ) جملة فعلية في محل رفع صفة لأمّيون ، كأنه قيل : أمّيّون غير عالمين.
قوله : (إِلَّا أَمانِيَ) هذا استثناء منقطع ، لأن الأمانيّ ليست من جنس الكتاب ، ولا مندرجة تحت مدلوله ، وهذا هو المنقطع ، ولكنّ شرطه أن يتوهّم دخوله بوجه ما كقوله : (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ)(١) وقول النابغة :
|
٥٦٠ ـ حلفت يمينا غير ذي مثنويّة |
|
ولا علم إلا حسن ظنّ بصاحب (٢) |
لأنّ بذكر العلم استحضر الظنّ ، ولهذا لا يجوز : صهلت الخيل إلا حمارا.
واعلم أنّ المنقطع على ضربين : ضرب يصحّ توجّه العامل عليه نحو : «جاء القوم إلا حمارا» وضرب لا يتوجّه نحو ما مثّل به النحويون : «ما زاد إلا ما نقص ، وما نفع إلا ما ضرّ» فالأول فيه لغتان : لغة الحجاز وجوب نصبه ولغة تميم أنه كالمتصل ، فيجوز فيه بعد النفي وشبهه النصب والإتباع ، والآية الكريمة من الضرب الأول ، فيحتمل نصبها وجهين ، أحدهما : على الاستثناء المنقطع.
والثاني : أنه بدل من الكتاب ، و «إلا» في المنقطع تقدّر عند البصريين ب «لكن» وعند الكوفيين ب «بل».
__________________
(١) سورة النساء ، آية (١٥٧).
(٢) انظر ديوانه (٥٥) ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٦٥) ، القرطبي (٢ / ٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)