(٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(٥٤)
قوله تعالى : (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) .. والعفو : المحو ، ومنه «عفا الله عنكم» أي : محا ذنوبكم ، والعافية لأنها تمحو السّقم ، وعفت الريح الأثر ، قال :
|
٤٦٥ ـ فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها |
|
لما نسجتها من جنوب وشمأل (١) |
وقيل : عفا كذا أي : كثر ، ومنه «وأعفوا اللّحى» (٢) فيكون من الأضداد. وقال ابن عطية : «العفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأول من الذّنب أو غيره ولا يستعمل العفو بمعنى الصّفح إلا في الذنب». وهذا الذي قاله قريب من تفسير الغفران ، لأنّ الغفر التغطية والسّتر ، ومنه : المغفر ، ولكن قد فرّق بينهما بأنّ العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة فيجتمع معها ، وأمّا الغفران فلا يكون مع عقوبة. وقال الراغب : «العفو : القصد لتناول الشيء ، يقال : عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده ، وعفت الريح التراب قصدتها متناولة آثارها ، وعفت الديار كأنها قصدت نحو البلى ، وعفا النبت والشّعر قصد تناول الزيادة ، وعفوت عنك كأنه قصد إزالة ذنبه صارفا عنه ، وأعفيت كذا أي تركته يعفو ويكثر ومنه «وأعفوا اللّحى» فجعل القصد قدرا مشتركا في العفو ، وهذا ينفي كونه من الأضداد ، وهو كلام حسن ، وقال الشاعر :
|
٤٦٦ ـ ............... |
|
إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها (٣) |
معناه : أنّ العافي هنا ما يبقى في القدر من المرق ونحوه ، فإذا أراد أحد [أن] يستعير القدر يعلّل صاحبها بالعافي الذي فيها ، فالعافي فاعل ، ومن يستعيرها مفعول ، وهو من الإسناد المجازي لأنّ الرادّ في الحقيقة صاحب القدر بسبب العافي.
وقوله : (تَشْكُرُونَ) في محلّ رفع خبر «لعلّ» ، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد. وقال الراغب : «وهو تصوّر النّعمة وإظهارها ، وقيل : هو مقلوب عن الكشر أي الكشف وهو ضدّ الكفر ، فإنه تغطية النّعمة. وقيل : أصله من عين شكرى أي ممتلئة ، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه». وشكر من الأفعال المتعدّية بنفسها تارة وبحرف الجرّ أخرى وليس أحدهما أصلا للآخر على الصحيح ، فمن المتعدّي بنفسه قول عمرو ابن لحيّ :
|
٤٦٧ ـ هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم |
|
فهلّا شكرت القوم إذ لم تقاتل (٤) |
ومن المتعدّي بحرف الجرّ قوله تعالى : (وَاشْكُرُوا لِي)(٥) وسيأتي هناك تحقيقه.
__________________
(١) البيت من معلقة امرئ القيس انظر ديوانه شرح المعلقات للتبريزي (١٣) ، الشنقيطي (٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٠ / ٣٥١) ، وأخرجه أبو عوانة (١ / ١٨٨) ، وأخرجه النسائي في الزينة باب (٢) ، وأحمد في المسند (٢ / ٥٢) ، والبيهقي من السنن (١ / ٤٩) ، والطبراني في الكبير (١١ / ١٥٢) ، والبخاري في التاريخ (١ / ١٤٠) ، والطحاوي في معاني الآثار (٤ / ٢٣٠).
(٣) عجز بيت للأعشى وصدره :
|
فلا تصرميني وأسألي ما خليقتي |
|
............... |
انظر ديوانه (٣٧١) ، الكشاف (٤ / ٣٩٣).
(٤) البيت في معاني القرآن للفراء (١ / ٩٢) ، الطبري (٣ / ٢١٢) ، وهو من شواهد البحر (١ / ٤٤٧).
(٥) سورة البقرة ، آية (١٥٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)