كلّها تميّز بواحد منصوب.
وموسى اسم أعجمي غير منصرف ، وهو في الأصل على ما يقال مركب ، والأصل : موشى ـ بالشين ـ لأنّ «ماء» بلغتهم يقال له : «مو» والشجر يقال له «شاء» فعرّبته العرب فقالوا موسى ، قالوا : وقد لقيه آل فرعون عند ماء وشجر. واختلافهم في موسى : هل هو مفعل مشتقّ من أوسيت رأسه إذا حلقته فهو موسى ، كأعطيته فهو معطى ، أو هو فعلى مشتقّ من ماس يميس أي : يتبختر في مشيته ويتحرّك ، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها كموقن من اليقين ، وهذا إنما هو في موسى الحديد التي هي آلة الحلق ، لأنها تتحرّك وتضطرب عند الحلق بها ، وليس لموسى اسم النبي عليهالسلام اشتقاق لأنه أعجميّ.
قوله : (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) اتّخذ يتعدّى لإثنين ، والمفعول الثاني محذوف أي : ثم اتخذتم العجل إلها. وقد يتعدّى لمفعول واحد إذا كان معناه عمل وجعل نحو : (وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً)(١) ، وقال بعضهم : تخذ واتّخذ يتعدّيان لاثنين ما لم يفهما كسبا ، فيتعدّيان لواحد. واختلف في اتّخذ فقيل : هو افتعل من الأخذ والأصل : اأتخذ الأولى همزة وصل والثانية فاء الكلمة فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى ، فوجب قلبها ياء كإيمان ، فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال فأبدلت تاء وأدغمت في تاء الافتعال كاتّسر من اليسر ، إلّا أنّ هذا قليل في باب الهمز نحو : اتّكل من الأكل واتّزر من الإزار. وقال أبو علي : هو افتعل من تخذ يتخذ ، وأنشد :
|
٤٦٤ ـ وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها |
|
نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق (٢) |
وقال تعالى : (لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)(٣) وهذا أسهل القولين.
والقرّاء على إدغام الذال في التاء لقرب مخرجهما ، وابن كثير وعاصم (٤) في رواية حفص بالإظهار ، وهذا الخلاف جار في المفرد نحو : اتّخذت ، والجمع نحو : اتّخذتم ، وأتى في هذه الجملة ب «ثمّ» دلالة على أنّ الاتخاذ كان بعد المواعدة بمهلة.
قوله : (مِنْ بَعْدِهِ) متعلّق باتّخذتم ، و «من» لابتداء الغاية ، والضمير يعود على موسى ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : من بعد انطلاقه أو مضيّه ، وقال ابن عطية : «يعود على موسى وقيل : على انطلاقه للتكليم ، وقيل : على الوعد ، وفي كلامه بعض مناقشة ، فإنّ قوله : «وقيل يعود على انطلاقه» يقتضي عوده على موسى من غير تقدير مضاف وذلك غير متصوّر.
قوله : (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) جملة حالية من فاعل (اتَّخَذْتُمُ).
(ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١١٦).
(٢) البيت للممزق العبدي انظر مجالس العلماء (٣٣٣) ، الخصائص (٢ / ٢٨٧) ، العيني (٤ / ٥٩٠) ، اللسان «مخص».
(٣) سورة الكهف ، آية (٧٧).
(٤) عاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي الأسدي بالولاء أبو بكر : أحد القراء السبعة تابعي من أهل الكوفة توفي سنة ١٢٧ ه ، تهذيب التهذيب (٥ / ٣٨) ، غاية النهاية (١ / ٣٤٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)