قتل تغريقا. ومنه قول ذي الرمة :
|
٤٦٢ ـ إذا غرّقت أرباضها ثني بكرة |
|
بتيهاء لم تصبح رؤوما سلوبها (١) |
قوله : (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) جملة من مبتدأ أو خبر في محلّ نصب على الحال من (آلَ فِرْعَوْنَ) والعامل (أَغْرَقْنا) ، ويجوز أن يكون حالا من مفعول «أنجيناكم». والنظر يحتمل أن يكون بالبصر لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم. وقيل : إنّ آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم ، وأن يكون بالبصيرة والاعتبار. وقيل : المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم ، ولذلك لم يذكر له مفعول.
قوله تعالى : (واعَدْنا) .. قرأ أبو عمرو هنا وما كان مثله ثلاثيا ، وقرأه الباقون : «واعدنا» بألف. واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، ورجّحها بأنّ المواعدة إنما تكون من البشر ، وأمّا الله تعالى فهو المنفرد بالوعد والوعيد ، على هذا وجدنا القرآن ، نحو : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)(٢) (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ)(٣) (وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ)(٤) (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ)(٥) ، وقال مكي مرجّحا لقراءة أبي عمرو أيضا : «وأيضا فإنّ ظاهر اللفظ فيه وعد من الله لموسى ، وليس فيه وعد من موسى فوجب حمله على الواحد بظاهر النص» ثم ذكر جماعة جلّة من القراء عليها. وقال أبو حاتم مرجّحا لها أيضا : «قراءة العامّة عندنا : وعدنا ـ بغير ألف ـ لأن المواعدة أكثر ما تكون من المخلوقين والمتكافئين». وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد وأبي حاتم ومكي بأن المفاعلة هنا صحيحة ، بمعنى أنّ موسى نزّل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه ، أو أنّه وعد أن يعنى بما كلّفه ربّه. وقال مكي : «المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي بمعنى فعل نحو : طارقت النعل» ، فجعل القراءتين بمعنى واحد ، والأول أحسن. ورجّح قوم «واعدنا». قال الكسائي : «وليس قول الله : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا)(٦) من هذا الباب في شيء ؛ لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة ، وليس من الوعد في شيء ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم كذا وموضع كذا ، والفصيح في هذا «واعدنا». وقال الزجاج : «واعدنا» بالألف جيّد ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن الله وعد ، ومن موسى قبول واتّباع ، فجرى مجرى المواعدة». وقال مكي أيضا : «والاختيار «واعدنا» بالألف ، لأنه بمعنى وعدنا ، في أحد معنييه ، وأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فصحّت المفاعلة».
و «وعد» يتعدّى لاثنين ، فموسى مفعول أول ، وأربعين مفعول ثان ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : تمام أربعين ، ولا يجوز أن ينتصب على الظرف لفساد المعنى وعلامة نصبه الياء لأنه جار مجرى جمع المذكر السالم ، وهو في الأصل مفرد اسم جمع ، سمّي به هذا العقد من العدد ، ولذلك أعربه بعضهم بالحركات ومنه في أحد القولين قوله :
|
٤٦٣ ـ وماذا يبتغي الشعراء مني |
|
وقد جاوزت حدّ الأربعين (٧) |
بكسر النون ، و «ليلة» نصب على التمييز ، والعقود التي هي من عشرين إلى تسعين وأحد عشر إلى تسعة عشر
__________________
(١) البيت في ديوانه (٧٠١) ، إصلاح المنطق (٧٢) ، القرطبي (١ / ٣٨٩).
(٢) سورة النور ، آية (٥٥).
(٣) سورة الفتح ، آية (١٠).
(٤) سورة إبراهيم ، آية (٢٢).
(٥) سورة الأنفال ، آية (٧).
(٦) سورة النور ، آية (٥٥).
(٧) البيت لجرير انظر ديوانه (٥٧٧) ، شرح المفصل لابن يعيش (٥ / ١١) ، الأصمعيات (١٩) ، أوضح المسالك (١ / ٤٤) ، الدرر (١ / ٢٢) ، الخزانة (٣ / ٤١١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)