قوله تعالى : (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ) .. «بكم» الظاهر أنّ الباء على بابها من كونها داخلة على الآلة فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسّط بينهما. وقال أبو البقاء : «ويجوز أن تكون المعدّية كقولك : ذهبت بزيد ، فيكون التقدير : أفرقناكم البحر ، ويكون بمعنى : (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ)(١) وهذا قريب من الأول. ويجوز أن تكون الباء للسببيّة أي : بسببكم ، ويجوز أن تكون للحال من «البحر» أي : فرقناه ملتبسا بكم ، ونظّره الزمخشري بقول الشاعر :
|
٤٥٨ ـ ............... |
|
تدوس بنا الجماجم والتّريبا (٢) |
أي : تدوسها ونحن راكبوها. قال أبو البقاء : «أي : فرقنا البحر وأنتم به ، فتكون إمّا حالا مقدّرة أو مقارنة». قلت : وأيّ حاجة إلى جعله إياها حالا مقدّرة وهو لم يكن مفروقا إلا بهم حال كونهم سالكين فيه؟ وقال أيضا : و «بكم» في موضع نصب مفعول ثان لفرقنا ، و «البحر» مفعول أول ، والباء هنا في معنى اللام» وفيه نظر ؛ لأنه على تقدير تسليم كون الباء بمعنى اللام فتكون لام العلّة ، والمجرور بلام العلة لا يقال إنّه مفعول ثان ، لو قلت : ضربت زيدا لأجلك ، لا يقول النحوي : «ضرب» يتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر.
والفرق والفلق واحد ، وهو الفصل والتمييز ، ومنه (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ)(٣) أي : فصلناه وميّزناه بالبيان ، والقرآن فرقان لتمييزه بين الحقّ والباطل وفرق الرأس لوضوحه ، والبحر أصله : الشّقّ الواسع ، ومنه : البحيرة لشقّ أذنها. والخلاف المتقدّم في النهر في كونه حقيقة في الماء أو في الأخدود جار هنا فليلتفت إليه. وهل يطلق على العذب بحر ، أو هو مختصّ بالماء الملح؟ خلاف يأتي تحقيقه في موضعه. ويقال : أبحر الماء أي : صار ملحا قال نصيب :
|
٤٥٩ ـ وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني |
|
إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب (٤) |
والغرق : الرّسوب في الماء ، وتجوّز به عن المداخلة في الشيء ، فيقال : أغرق فلان في اللهو ، ويقال : غرق فهو غرق وغارق ، وقال أبو النجم :
٤٦٠ ـ من بين مقتول وطاف غارق (٥)
ويطلق على القتل بأيّ نوع كان ، قال :
|
٤٦١ ـ ............... |
|
ألا ليت قيسا غرّقته القوابل (٦) |
والأصل فيه أن القابلة كانت تغرّق المولود في دم السّلى عام القحط ليموت ، ذكرا كان أو أنثى ، ثم جعل كلّ
__________________
(١) سورة الأعراف ، آية (١٣٨).
(٢) عجز بيت للمتنبي وصدره :
|
قمرّت غيرنا فرة عليهم |
|
... |
انظر ديوانه (١ / ٢٦٥) ، البحر (٦ / ١٨١) ، حاشية القطب على الكشاف (٢ / ١٠٧١) ، الكشاف (٤ / ٣٣٨) ، التريب : عظم الصدر.
(٣) سورة الفرقان ، آية (١٠٦).
(٤) البيت من شواهد القرطبي (١ / ٣٨٨).
(٥) البيت من شواهد القرطبي (١ / ٣٨٨).
(٦) عجز بيت للأعشى انظر ديوانه (١٨٣) ، وصدره :
|
أطورين في عام غزاة ورحلة |
|
............... |
القرطبي (١ / ٣٨٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)