أصله ، فردّت لامه ، إمّا الواو أو الياء حسبما تقدّم. والأصل : «أبناو» أو «أبناي» ، فأبدل حرف العلة همزة لتطرّفه بعد ألف زائدة ، والمراد بهم الأطفال ، وقيل : الرجال ، وعبّر عنهم بالأبناء اعتبارا بما كانوا.
قوله : (وَيَسْتَحْيُونَ) عطف على ما قبله ، وأصله : يستحييون ، فاعلّ بحذف الياء بعد حذف حركتها وقد تقدّم بيانه ، فوزنه يستفعون. والمراد بالنساء الأطفال ، وإنما عبّر عنه بالنساء لمآلهنّ إلى ذلك. وقيل : المراد غير الأطفال ، كما قيل في الأبناء. ولام النساء الظاهر أنّها من واو لظهورها في مرادفه وهو نسوان ونسوة ، ويحتمل أن تكون ياء اشتقاقا من النّسيان ، وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة من حيث المعنى؟ قولان.
قوله : (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) الجارّ خبر مقدّم ، و «بلاء» متبدأ. ولامه واو لظهورها في الفعل نحو : بلوته ، أبلوه ، «ولنبلونّكم» ، فأبدلت همزة. والبلاء يكون في الخير والشرّ ، قال تعالى : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)(١). لأنّ الابتلاء امتحان فيمتحن الله عباده بالخير ليشكروا ، وبالشرّ ليصبروا ، وقال ابن كيسان : «أبلاه وبلاه في الخير» وأنشد :
|
٤٥٦ ـ جزى الله بالخيرات ما فعلا بكم |
|
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢) |
فجمع بين اللغتين ، وقيل : الأكثر في الخير أبليته ، وفي الشرّ بلوته ، وفي الاختبار ابتليته وبلوته ، قال النحاس : «فاسم الإشارة من قوله : «وفي ذلكم» يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء «وهو خير محبوب ، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذّبح ، وهو شرّ مكروه». وقال الزمخشري : «والبلاء : المحنة إن أشير ب «ذلك» إلى صنيع فرعون ، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء» ، وهو حسن. وقال ابن عطية : «ذلكم» إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خير فهو كمفرد حاضر ، كأنه يريد أنه أشير به إلى مجموع الأمرين من الإنجاء والذبح ، ولهذا قال بعده : «ويكون البلاء في الخير والشر» وهذا غير بعيد ، ومثله :
|
٤٥٧ ـ إنّ للخير وللشّرّ مدى |
|
وكلا ذلك وجه وقبل (٣) |
و «من ربكم» متعلق ب «بلاء» ، و «من» لابتداء الغاية مجازا. وقال أبو البقاء : «هو رفع صفة ل «بلاء» فيتعلّق بمحذوف» وفي هذا نظر ، من حيث إنه إذا اجتمع صفتان ، إحداهما صريحة والأخرى مؤوّلة قدّمت الصريحة ، حتى إنّ بعض الناس يجعل ما سواه ضرورة. و «عظيم» صفة ل «بلاء» وقد تقدّم معناه مستوفى في أول السورة.
(وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ)(٥١)
__________________
(١) سورة الأنبياء ، آية (٣٥).
(٢) البيت لزهير انظر ديوانه (١٠٩) ، معاني القرآن للزجاج (١ / ١٠٢) ، الطبري (٢ / ٤٩) ، الكشاف (٤ / ٤٨٧).
(٣) البيت لعبد الله بن الزبعري من قصيدة قالها يوم أحد انظر أوضح المسالك (١ / ٣٩٣) ، الأشموني (٢ / ٢٦٠) ، شرح ابن عقيل (٢ / ٦٢) ، الدرر (٢ / ٦٠) ، الهمع (٢ / ٥) ، التصريح (٢ / ٤٣) ، المغني (١ / ٢٠٣) ، شرح المفصل (٣ / ٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)