قال الزمخشري : «وأصله من سام السّلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه» ، وقيل : أصل السّوم الدّوام ، ومنه : سائمة الغنم لمداومتها الرّعي. والمعنى : يديمون تعذيبكم ، وسوء العذاب أشدّه وأفظعه وإن كان كلّه سيئا ، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره. والسوء : كلّ ما يعمّ الإنسان من أمر دنيوي وأخروي ، وهو في الأصل مصدر ، ويؤنّث بالألف ، قال تعالى : (أَساؤُا السُّواى). وأجاز بعضهم أن يكون «سوء» نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : يسومونكم سوما سيئا كذا قدّره ، وقال أيضا : «ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب» ، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر ، نحو : «قعد جلوسا» ، لأن سوء العذاب نوع من السّوم.
قوله تعالى : (يُذَبِّحُونَ) هذه الجملة يحتمل أن تكون مفسّرة للجملة قبلها ، وتفسيرها لها على وجهين :
أحدهما أن تكون مستأنفة ، فلا محلّ لها حينئذ من الإعرابه ، كأنه قيل : كيف كان سومهم العذاب؟ فقيل : يذبّحون. والثاني : أن تكون بدلا منها كقوله :
|
٤٥٣ ـ متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا (١) |
|
............... |
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ)(٢) ، ولذلك ترك العاطف ، ويحتمل أن تكون حالا ثانية ، لا على أنها بدل من الأولى ، وذلك على رأي من يجوّز تعدّد الحال. وقد منع أبو البقاء هذا الوجه محتجّا بأنّ الحال تشبه المفعول به ولا يعمل العامل في مفعولين على هذا الوصف ، وهذا بناء منه على أحد القولين ، ويحتمل أن يكون حالا من فاعل (يَسُومُونَكُمْ). وقرئ : «يذبحون» (٣) بالتخفيف ، والأولى قراءة الجماعة لأنّ الذبح متكرّر.
فإن قيل : لم لم يؤت هنا بواو العطف ، كما أتي بها في سورة إبراهيم (٤)؟ فالجواب أنه أريد هنا التفسير كما تقدّم ، وفي سورة إبراهيم معناه : يعذّبونكم بالذّبح وبغير الذبح. وقيل : يجوز أن تكون الواو زائدة فتكون كآية البقرة ، واستدلّ هذا القائل على زيادة الواو بقوله :
|
٤٥٤ ـ فلمّا أجزنا ساحة الحّي وانتحى (٥) |
|
............... |
وقوله :
|
٤٥٥ ـ إلى الملك القرم وابن الهمام (٦) |
|
............... |
والجواب الأول هو الأصحّ.
والذّبح : أصله الشّقّ ، ومنه : «المذابح» لأخاديد السيول في الأرض. و «أبناء» جمع ابن ، رجع به إلى
__________________
(١) تقدم وهو لعبد الله بن الحر الجعفي.
(٢) سورة الفرقان ، آية (٦٨).
(٣) انظر البحر (١ / ١٩٣).
(٤) آية رقم (٦).
(٥) صدر بيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة وعجزه :
|
............... |
|
بنا يطن حقف ذي ركام عقنقل |
انظر ديوانه (٤١) ، الإنصاف (٢ / ٤٥٧) ، الأزهية (٢٢٤) ، الصاحبي (١٥٨) ، تأويل المشكل (٢٥٣) ، الخزانة (١١ / ٤٣) ، المنصف (٣ / ٤١) ، معاني الفراء (٢ / ٥٠) ، البحر المحيط (٥ / ٢٨٧) ، التهذيب «جئز» (١١ / ١٤٨) ، اللسان جوز.
(٦) تقدم وانظر الخزانة (١ / ٢١٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)