رابعا ـ أهمية الكتاب ، وقيمته :
لا يستطيع أحد أن ينكر فضل وجهود العلماء الأجلاء الذين قضوا حياتهم في محراب العلم ، وفي خدمة اللغة ، وما خلفه العلماء وراءهم من تراث ضخم شاهد صدق على تلك الجهود التي بذلوها في ذلك الميدان العظيم كما لا ينكر أحد أهمية المؤلفات التي أودعوها خلاصة فكرهم وثمرة عملهم ، والسمين الحلبي واحد من هؤلاء العلماء الذين أدلوا بدلوهم في هذا المجال ، فكان كتابه «الدر المصون» سفرا عظيما حافلا بكل علوم العربية. وفي ذلك يقول : «وهذا التصنيف في الحقيقة نتيجة عمري وذخيرة دهري» ، ولنفسح المجال لأصحاب كتب التراجم والطبقات الذين ترجموا لذلك العالم الجليل ـ ليحدثونا عما كان لذلك الكتاب من أهمية عظيمة بالغة المدى مثلا ـ يقول «حاجي خليفة» ، عن هذا الكتاب ـ فهو مع اشتماله على غيره أجلّ ما صنف فيه ـ أي علم إعراب القرآن ـ لأنّه جمع العلوم الخمسة : الإعراب ، والتصريف ، واللغة ، والمعاني ، والبيان (١).
ويقول السيوطي (٢) أيضا عند الحديث عن كتب الإعراب : «... وكتاب السمين أجلها ...» ، وأيضا يقول «الداودي عن الدر المصون» .....
ألفه في حياة شيخه أبي حيان إلا أنّه زاد عليه ، وناقشه في مواضع مناقشة حسنة (٣).
ومن هذه الأقوال كلها يستطيع القارئ أن يدرك ما كان لهذا الكتاب من قيمة علمية ومكانة مرموقة وشأن عظيم ، ولا يفوتني في هذا المجال أن أبين للقارئ مدى أهمية الكتاب من خلال مصاحبتي له فترة ليست بالقصيرة.
أولا : يستطيع الباحث أن يطلع على آراء العلماء المختلفة في إعراب آية واحدة من آي القرآن الكريم وما كان لهم من أقوال فيها ، إذ كان السمين ينقل الآراء مدعومة بأدلة أصحابها فهو يمثل مرجعا رئيسا في هذا الجانب على أنّه لم يكن ليكتفي بالعرض دون أن يبين ما لها وما عليها من وجهة الصناعة والمعنى ، ومن هنا وصفه صاحب «كشف الظنون» أنّه أجلّ ما صنف في هذا الباب.
ثانيا : يجد طالب مفردات اللغة بغيته في هذا الكتاب فهو يلتقي بتحليل مفصل لكلمات القرآن وأصولها واشتقاقاتها وتطورها واستعمالاتها.
ثالثا : يجد الباحث المهتم بالقراءات القرآنية وأوجه تخريجها ضالته في ذلك السفر العظيم.
رابعا : لقد ضم كتاب «الدر المصون» بين دفتيه المئات من الشواهد العربية فقلما تجد صفحة في كتابه «الدر» إلا وبها شاهد أو أكثر.
خامسا : نلمح في «كتاب الدر» الكثير من الإشارات البلاغية ، وهو وإن لم يجعلها غايته فقد عرض طائفة منها وهذا يعزز من قيمة الكتاب ، فهو كتاب نحو وصرف ولغة ومعان كما ذكر صاحب كشف الظنون (٤).
وبعد : فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنّ ذلك السفر العظيم كتاب متقن التأليف محكم التصنيف.
__________________
(١) كشف الظنون ١ / ١٢٢.
(٢) الإتقان ١ / ١٨٩.
(٣) طبقات المفسرين ١ / ١٠٠.
(٤) كشف الظنون ١ / ١٢٢.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)