المبحث الثاني
منهج السمين
ذكر السمين ـ رحمهالله تعالى ـ في مقدمة الكتاب «الدر المصون» المنهج الذي سلكه في كتابه كما ذكر لنا ـ غفر الله له ـ خطوات ذلك المنهج والأسباب التي دفعته إلى تأليف ذلك السفر العظيم ، فيقول : «القرآن أفضل كتب الله الجليلة ، أنزله على خير خلقه عامة وبعثه به إلى خير أمة ... جعل أمثاله عبرا للمتدبرين وأوامره هدى للمستبصرين ، وضرب فيه الأمثال ، وفرّق فيه بين الحرام والحلال ، وكرّر القصص والمواعظ بألفاظ لا تملّ ولا تخلق (١) على كثرة الرد ، وحثنا على فهم معانيه وبيان أغراضه ومبانيه فليس المراد حفظه وسرده من غير تأمل لمعناه ، ولا تفهّم لمقاصده فقال جلّ من قائل : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها)(٢) ، وقال تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ)(٣) ذم اليهود حيث يقرأون التوراة تلاوة من غير فهم ، وقد ذم السلف الصالح من يفعل ذلك. فالأولى بالعاقل الأريب (٤) ، والفطن البيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنّية ويأخذها بالرتبة السّنيّة ، فيطلع من علومه على أهمها وآكدها وهي ـ من بعد تجويد ألفاظه بالتلاوة ـ خمسة علوم : علم الإعراب ، وعلم التصريف ، وعلم اللغة ، وعلم المعاني ، وعلم البيان.
وقد أكثر العلماء ـ رحمهمالله ـ من البحث عن ذلك ، واهتموا به غاية الاهتمام فجزاهم الله عن سعيهم أفضل الجزاء يوم الفصل والقضاء ، إذ هم الأئمة الممهّدون للقواعد ، المبيّنون لأصول المعاقد ، غير أن منهم جماعة لم يقتصروا على هذه العلوم الخمسة في مصنف يجمعها ، بل ضموا إلى ذلك ذكر سبب النزول ، وذكر القصص (٥) على ما فعله المفسرون ، لأنهم لم يضعوا كتبهم إلا لذلك ، ومنهم من اقتصر على ذكر الإعراب فقط (٦) ومنهم من اقتصر على علم مفردات الألفاظ فقط (٧) وترك شيئا كثيرا من علم التصريف المتعلق باشتقاق اللغة ، مما لا يسع الإنسان جهله ، ومنهم من اقتصر على معرفة نظمه وجزالته وبلاغته مما يتكفل به علم المعاني والبيان (٨) ، ورأيت أنّ هذه العلوم الخمسة متجاذبة شديدة الاتصال بعضها ببعض ، لا يحصل للناظر في بعضها كبير فائدة بدون الاطلاع على باقيها ، فإن من عرف كون هذا فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ مثلا ، ولم يعرف كيفية تصريفه ولا اشتقاقه ولا كيف موقعه من النظم لم يحل بطائل ، وكذا لو عرف موقعه من النظم ولم يعرف باقيها.
__________________
(١) أي لا تبلى.
(٢) سورة محمد صلىاللهعليهوسلم ، آية (٢٤).
(٣) سورة البقرة ، آية (٧٨).
(٤) قال في اللسان ١ / ٥٥ : والأريب العاقل. ورجل مأريب من قوم أرباء وقد أرب يأرب أحسن الإرب في العقل.
(٥) كما فعل أبو حيان في البحر المحيط.
(٦) مثل كتاب «الإملاء» لأبي البقاء.
(٧) مثل غريب القرآن لابن قتيبة.
(٨) مثل تفسير الكشاف لجار الله الزمخشري.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)