«أل» عوضا من الضمير لما جمع بينهما ، وقد جمع بينهما ، قال النابغة :
|
٢٩٨ ـ رحيب قطاب الجيب منها رفيقة |
|
بجسّ النّدامى بضّة المتجرّد (١) |
فقال : الجيب منها ، وأمّا ما ورد وظاهره ذلك فيأتي تأويله في موضعه.
قوله تعالى : (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ) تقدّم الكلام في «كلّما» ، والعامل فيها هنا : «قالوا» ، و «منها» متعلّق ب «رزقوا» ، و «من» لابتداء الغاية وكذلك «من ثمرة» لأنها بدل من قوله «منها» بدل اشتمال بإعادة العامل ، وإنما قلنا إنّه بدل اشتمال ، لأنه لا يتعلّق حرفان بمعنى واحد بعامل واحد إلا على سبيل البدلية أو العطف. وأجاز الزمخشري أن تكون «من» للبيان ، كقولك : رأيت منك أسدا. وفيه نظر ، لأنّ من شرط ذلك أن يحلّ محلّها موصول وأن يكون ما قبلها محلّى بأل الجنسية ، وأيضا فليس قبلها شيء يتبيّن بها ، وكونها بيانا لما بعدها بعيد جدا وهو غير المصطلح.
و «رزقا» مفعول ثان ل «رزقوا» وهو بمعنى «مرزوق» ، وكونه مصدرا بعيد لقوله : «هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها» والمصدر لا يؤتى به متشابها ، وإنما يؤتى بالمرزوق كذلك.
قوله : (قالُوا : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) «قالوا» هو العامل في «كلما» كما تقدّم ، و «هذا الذي رزقنا» مبتدأ وخبر في محلّ نصب بالقول ، وعائد الموصول محذوف لاستكماله الشروط ، أي : رزقناه. و «من قبل» متعلّق به. و «من» لابتداء الغاية ، ولمّا قطعت «قبل» بنيت ، وإنما بنيت على الضّمة لأنها حركة لم تكن لها حال إعرابها. واختلف في هذه الجملة ، فقيل : لا محلّ لها من الإعراب لأنّها استئنافية ، كأنه قيل لمّا وصفت الجنات : ما حالها؟ فقيل : كلما رزقوا قالوا. وقيل : لها محلّ ، ثم اختلف فيه فقيل : رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، واختلف في ذلك المبتدأ ، فقيل : ضمير الجنات أي هي كلما. وقيل : ضمير الذين آمنوا أي : هم كلما رزقوا قالوا ذلك. وقيل : محلّها نصب على الحال وصاحبها : إمّا الذين آمنوا وإمّا جنات ، وجاز ذلك وإن كان نكرة لأنها تخصّصت بالصفة ، وعلى هذين تكون حالا مقدّرة لأن وقت البشارة بالجنات لم يكونوا مرزوقين ذلك. وقيل : محلّها نصب على أنها صفة لجنات أيضا.
قوله : (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) الظاهر أنها جملة مستأنفة. وقال الزمخشري فيها : «هو كقولك : فلان أحسن بفلان ، ونعم ما فعل ، ورأى من الرأي كذا ، وكان صوابا ، ومنه : «وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون» (٢) وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة فلا محلّ لها للتقرير». قلت : يعني بكونها معترضة أي بين أحوال أهل الجنة ، فإنّ بعدها : (وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ) ، وإذا كانت معترضة فلا محلّ لها أيضا. وقيل : هي عطف على «قالوا» ، وقيل : محلّها النصب على الحال ، وصاحبها فاعل «قالوا» أي : قالوا هذا الكلام في هذه الحال ، ولا بدّ من تقدير «قد» قبل الفعل أي : وقد أتوا ، وأصل أتوا : أتيوا مثل : ضربوا ، فأعلّ كنظائره. وقرئ : وأتوا (٣) مبنيا للفاعل ، والضمير للولدان والخدم للتصريح بهم في غير موضع. والضمير في «به» يعود على المرزوق الذي هو الثمرات ، كما أنّ «هذا» إشارة إليه. وقال الزمخشري : «يعود إلى المرزوق في الدنيا والآخرة لأنّ قوله : (هذَا
__________________
(١) انظر ديوانه. المحتسب (١ / ١٨٣) ، الخزانة (٢ / ٢٠٣) ، شرح المعلقات للتبريزي (١٦٩).
(٢) سورة النمل ، آية (٣٤).
(٣) انظر البحر المحيط (١ / ١١٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)