أي : فلم يجبه ، وقيل : بل السين للطلب ، ورجّح قول الأخفش بأنّ كونه للطلب يستدعي حذف جملة ، ألا ترى أنّ المعنى استدعوا نارا فأوقدوها ، فلمّا أضاءت لأنّ الإضاءة لا تتسبّب عن الطلب ، إنما تسبّب عن الإيقاد.
والفاء في «فلمّا» للسبب. وقرأ ابن السّميفع (١) : (كَمَثَلِ الَّذِينَ) بلفظ الجمع ، (اسْتَوْقَدَ) بالإفراد ، وهي مشكلة ، وقد خرّجوها على أوجه أضعف منها وهي التوهّم ، أي : كأنه نطق بمن ، إذ أعاد ضمير المفرد على الجمع كقولهم : «ضربني وضربت قومك» ، أي ضربني من ، أو يعود على اسم فاعل مفهوم من استوقد ، والعائد على الموصول محذوف ، وإن لم يكمل شرط الحذف ، والتقدير : استوقدها مستوقد لهم ، وهذه القراءة تقوّي قول من يقول : إن أصل الذي : الذين ، فحذفت النون.
و «لمّا» حرف وجوب لوجوب هذا مذهب سيبويه. وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء أنها ظرف بمعنى حين ، وأنّ العامل فيها جوابها ، وقد ردّ عليه بأنها أجيبت ب «ما» النافية وإذا الفجائية ، قال تعالى : (فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً)(٢) وقال تعالى : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ)(٣) ، وما النافية وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما فانتفى أن تكون ظرفا.
وتكون «لمّا» أيضا جازمة لفعل واحد ، ومعناها نفي الماضي المتصل بزمن الحال ، ويجوز حذف مجزومها ، قال الشاعر :
|
٢١٧ ـ فجئت قبورهم بدءا ولمّا |
|
فناديت القبور فلم يجبنه (٤) |
وتكون بمعنى إلا ، قال تعالى : (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا)(٥) في قراءة من قرأه (٦).
و «أضاء» يكون لازما ومتعديا ، فإن كان متعديا ف «ما» مفعول به ، وهي موصولة ، و «حوله» ظرف مكان ومخفوض به ، صلة لها ، ولا يتصرّف ، وبمعناه : حوال ، قال الشاعر :
|
٢١٨ ـ وأنا أمشي الدّألى حوالكا (٧) |
|
............... |
ويثنيان ، قال عليهالسلام : «اللهم حوالينا» (٨) ، ويجمعان على أحوال.
ويجوز أن تكون «ما» نكرة موصوفة ، و «حوله» صفتها ، وإن كان لازما فالفاعل ضمير النار أيضا ، و «ما» زائدة ، و «حوله» منصوب على الظرف العامل فيه «أضاء». وأجاز الزمخشري أن تكون «ما» فاعلة موصولة أو نكرة موصوفة ، وأنّث الفعل على المعنى ، والتقدير : فلمّا أضاءت الجهة التي حوله أو جهة حوله. وأجاز أبو البقاء فيها أيضا أن تكون منصوبة على الظرف ، وهي حينئذ إمّا بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ، التقدير : فلمّا أضاءت النار
__________________
(١) محمد بن عبد الرحمن اليماني من أعلام القراءات. غاية النهاية (٢ / ١٦١).
(٢) سورة فاطر ، آية (٤٢).
(٣) سورة العنكبوت ، آية (٦٥).
(٤) البيت نسب لذي الرمة وليس في ديوانه. انظر الهمع (٢ / ٥٧) ، المغني (١ / ٢٨٠) ، الدرر (٢ / ٧٣) ، الصاحبي (٢١٩) ، الأشموني (٤ / ٦) ، الخزانة (١٠ / ١١٣ ـ ١١٧) ، اللسان (لمم).
(٥) سورة الزخرف ، آية (٣٥).
(٦) انظر السبعة (٥٨٦).
(٧) البيت لضب يخاطب ابنه. انظر الكتاب (١ / ١٧٦) ، الكامل (٣٧٤) ، أمالي الزجاجي (١٣٠).
(٨) أخرجه البخاري (٢ / ١٥) (٣٥ ، ٣٦ ، ٣٧ ، ٣٨) ، ومسلم ـ
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)