من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبرا عنه ، وأيضا فإن الصلة ماضية معنى. فإن قيل : يكون «الذين» بدلا من «أولئك» فالجواب أن يصير الموصول مخصوصا لإبداله من مخصوص ، والصلة أيضا ، ماضية. فإن قيل : يكون «الذين» صفة لأولئك ويصير نظير قولك : «الرجل الذي يأتيني فله درهم» فالجواب : أنه مردود بما ردّ به السؤال الثاني ، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفا له لأنه أعرف منه فبان فساد هذا القول.
والمشهور ضمّ واو «اشتروا» لالتقاء الساكنين ، وإنما ضمّت تشبيها بتاء الفاعل. وقيل : للفرق بين واو الجمع والواو الأصلية نحو : لو استطعنا ، وقيل : لأن الضمة هنا أخفّ من الكسرة لأنها من جنس الواو. وقيل : حرّكت بحركة الياء المحذوفة ، فإنّ الأصل اشتريوا كما سيأتي. وقيل : هي للجمع فهي مثل : نحن. وقرئ (١) بكسرها على أصل التقاء الساكنين ، وبفتحها : لأنه أخفّ. وأجاز الكسائي همزها تشبيها لها بأدؤر وأثؤب وهو ضعيف ، لأن ضمّها غير لازم ، وقال أبو البقاء : «ومنهم من يختلسها ، فيحذفها لالتقاء الساكنين وهو ضعيف جدا ؛ لأن قبلها فتحة والفتحة لا تدلّ عليها».
وأصل اشتروا : اشتريوا ، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وبقيت الفتحة دالّة عليها ، وقيل : بل حذفت الضمة من الياء فسكنت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء لالتقائهما. فإن قيل : فواو الجمع قد حرّكت فينبغي أن يعود الساكن المحذوف ، فالجواب أن هذه الحركة عارضة ، فهو في حكم الساكن ، ولم يجيء ذلك إلا في ضرورة شعر ، أنشد الكسائي :
|
٢٠٣ ـ يا صباح لم تنام العشيّا |
|
............... |
فأعاد الألف لمّا حرّكت الميم حركة عارضة.
و (الضَّلالَةَ) مفعوله ، و (بِالْهُدى) متعلّق ب (اشْتَرَوُا) ، والباء هنا للعوض وهي تدخل على المتروك أبدا فأمّا قوله تعالى : (فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ)(٢) فإنّ ظاهره أنّ الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة ، فالجواب ما قاله الزمخشري ـ رحمهالله تعالى ـ من أن المراد بالمشترين المبطئون وعظوا بأن يغيّروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله تعالى ورسوله ويجاهدوا في الله حقّ الجهاد ، فحينئذ إنما دخلت الباء على المتروك.
والشراء هنا مجاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لمّا تركوا الهدى ، وآثروا الضلالة ، جعلوا بمنزلة المشترين لها بالهدى ، ثم رشّح هذا المجاز بقوله تعالى : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) فأسند الربح إلى التجارة ، والمعنى : فما ربحوا في تجارتهم ، ونظير هذا الترشيح قول الآخر :
|
٢٠٤ ـ بكى الخزّ من روح وأنكر جلده |
|
وعجّت عجيجا من جذام المطارف (٣) |
لمّا أسند البكاء إلى الخزّ من أجل هذا الرجل ـ وهو روح ـ وإنكاره لجلده مجازا رشحه بقوله : «وعجّت المطارف من جذام» أي : استغاثت الثياب من هذه القبيلة ، وقول الآخر :
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ٧١).
(٢) سورة النساء ، آية (٧٤).
(٣) البيت لحميدة بنت النعمان. انظر الكتاب (٢ / ٢٥) ، الأغاني (٩ / ٢٢٩) ، السمط (١٨٠) ، المقتضب (٣ / ٣٦٤) ، البحر (١ / ٧٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)