وقال الزمخشري : «فإن قلت : لم زعمت أنه من المدد دون المدّ في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت : كفاك دليلا على ذلك قراءة ابن كثير وابن محيصن (١) : «ويمدّهم» وقراءة نافع : «وإخوانهم يمدّونهم» على أنّ الذي بمعنى أمهله إنما هو «مدّ له» باللام كأملى له».
والاستهزاء لغة : السخرية واللعب ، يقال : هزئ به ، واستهزأ قال :
|
٢٠٠ ـ قد هزأت منّي أمّ طيسله |
|
قالت : أراه معدما لا مال له (٢) |
وقيل : أصله الانتقام ، وأنشد :
|
٢٠١ ـ قد استهزأوا منّا بألفي مدجّج |
|
سراتهم وسط الصّحاصح جثّم (٣) |
فعلى هذا القول الثاني نسبة الاستهزاء إليه تعالى على ظاهرها ، وأمّا على القول الأول فلا بدّ من تأويل ذلك فقيل : المعنى يجازيهم على استهزائهم ، فسمّى العقوبة باسم الذنب ليزدوج الكلام ، ومنه : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)(٤) ، (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)(٥). وقال عمرو ابن كلثوم (٦) :
|
٢٠٢ ـ ألا لا يجهلن أحد علينا |
|
فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٧) |
وأصل المدد : الزيادة. والطغيان : مصدر طغى يطغى طغيانا وطغيانا بكسر الطاء وضمّها ، ولام طغى قيل : ياء وقيل : واو ، يقال : طغيت وطغوت ، وأصل المادة مجاوزة الحدّ ومنه : طغى الماء. والعمه : التردّد والتحيّر ، وهو قريب من العمى ، إلا أن بينهما عموما وخصوصا ، لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين وعلى الخطأ في الرأي ، والعمه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي ، يقال : عمه يعمه عمها وعمهانا فهو عمه وعامه.
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)(١٦)
قوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) : (أُولئِكَ) رفع بالابتداء والذين وصلته خبره ، وقوله تعالى : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة ، وهي (اشْتَرَوُا) وزعم بعضهم أنها خبر المبتدأ ، وأنّ الفاء دخلت في الخبر لما تضمّنه الموصول من معنى الشرط ، وجعل ذلك نظير قوله : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ)(٨) ثم قال : (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) وهذا وهم ، لأنّ الذين اشتروا ليس مبتدأ حتى يدّعى دخول الفاء في خبره ، بل هو خبر عن (أُولئِكَ) كما تقدّم. فإن قيل : يكون الموصول مبتدأ ثانيا فتكون الفاء دخلت في خبره فالجواب أنه يلزم
__________________
(١) محمد بن عبد الرحمن بن محيص السهمي بالولاء أبو حفص المقري روى له مسلم والترمذي والنسائي ، توفي سنة ١٢٣ ه. تهذيب التهذيب (٧ / ٤٧٤) ، غاية النهاية (٢ / ١٦٧) ، الأعلام (٦ / ١٨٩).
(٢) البيت لصخر الهلالي. انظر أمالي القالي (٢ / ٢٨٤) ، القرطبي (١ / ٢٠٧).
(٣) البيت في تفسير القرطبي (١ / ٢٠٧).
(٤) سورة الشورى ، آية (٤٠).
(٥) سورة البقرة ، آية (١٩٤).
(٦) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب ، من بني تغلب ، أبو الأسود شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ، وكان من أعز الناس نفسا وهو من الفتاك الشجعان ساد قومه ـ تغلب ـ وهو فتى وهو من شعراء المعلقات ، توفي نحو سنة ٤٠ ه قبل الهجرة. الأغاني (١١ / ٥٢) ، سمط اللآلي (٦٣٥) ، جمهرة أشعار العرب (٣١) ، الأعلام (٥ / ٨٤).
(٧) البيت من معلقته المشهورة. انظر شرح المعلقات.
(٨) سورة البقرة ، آية (٢٧٤).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)