إمعان فكر ونظر تام يفضي إلى الإيمان والتصديق ، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان ، فناسب ذلك نفي العلم عنهم. ووجه ثان وهو أن السّفه هو خفّة العقل والجهل بالأمور ، قال السموأل (١) :
|
١٩٦ ـ نخاف أن تسفه أحلامنا |
|
فنجهل الجهل مع الجاهل (٢) |
والعلم نقيض الجهل فقابله بقوله : لا يعلمون ، لأنّ عدم العلم بالشيء جهلّ به.
(وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(١٥)
قوله تعالى : (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) : «إذا» منصوب بقالوا الذي هو جواب لها ، وقد تقدّم الخلاف في ذلك ، و «لقوا» فعل وفاعل ، والجملة في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها. وأصل لقوا : لقيوا بوزن شربوا ، فاستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة ، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان : لام الكلمة وواو الجمع ، ولا يمكن تحريك أحدهما ، فحذف الأول وهو الياء ، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمة لتجانس واو الضمير ، فوزن «لقوا» : فعوا ، وهذه قاعدة مطردة نحو : خشوا وحيوا.
وقد سمع في مصدر «لقي» أربعة عشر وزنا : لقيا ولقية بكسر الفاء وسكون العين ، ولقاء ولقاءة ولقاءة بفتحها أيضا مع المدّ في الثلاثة ، ولقى ولقي بفتح القاف وضمها ، ولقيا بضم الفاء وسكون العين ولقيّا بكسرهما والتشديد ، ولقيّا بضم الفاء وكسر العين مع التشديد ، ولقيانا ولقيانا بضم الفاء وكسرها ، ولقيانة بكسر الفاء خاصة ، وتلقاء.
و «الذين آمنوا» مفعول به ، و «قالوا» جواب «إذا» ، و «آمنا» في محل نصب بالقول.
قوله تعالى : (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا) تقدّم نظيره ، والأكثر في «خلا» أن يتعدّى بالباء ، وقد يتعدّى بإلى ، وإنما تعدّى في هذه الآية بإلى لمعنى بديع ، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين أحدهما : الانفراد ، والثاني : السخرية والاستهزاء ، تقول : «خلوت به» أي سخرت منه ، وإذا تعدّى بإلى كان نصّا في الانفراد فقط ، أو تقول : ضمّن خلا معنى صرف فتعدّى بإلى ، والمعنى : صرفوا خلاهم إلى شياطينهم ، أو تضمّن معنى ذهبوا وانصرفوا فيكون كقول الفرزدق :
|
١٩٧ ـ ألم تراني قالبا مجنّي |
|
قد قتل الله زيادا عنّي (٣) |
أي : صرفه بالقتل ، وقيل : هي هنا بمعنى مع ، كقوله : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ)(٤). وقيل : هي بمعنى الباء ، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين ، وأمّا البصريون فلا يجيزون التجوّز في الحروف لضعفها. وقيل : المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ، ف «إلى» على بابها ، قلت : وتقدير «من المؤمنين» لا يجعلها
__________________
(١) السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي شاعر جاهلي حكيم من سكان خيبر أشهر شعره لاميته التي مطلعها :
|
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه |
|
فكل رداء يرتديه جميل |
توفي نحو سنة ٦٥ ه قبل الهجرة. معاهد التنصيص (١ / ٣٨٨) ، سمط اللآلى (٥٩٥) ، الأعلام (٣ / ١٤٠).
(٢) البيت من شواهد البحر (١ / ٦٩).
(٣) انظر ديوانه (٨٨١) ، الخصائص (٢ / ٣١٠) ، المحتسب (١ / ٥٢) ، الأشموني (٢ / ٩٥).
(٤) سورة النساء ، آية (٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)