وأما وجوب الحذف وإن كان ما نقلنا مشعرا بعدم اعتباره حيث اطلقوا القول بكونه مقدّرا غير مذكور ، لكن منشأ الخلاف فيه الخلاف فى شىء آخر ، وهو أنّ متعلّق الظرف الواقع في واحد من المواضع الأربعة اذا كان عامّا هل يجب حذفه أم لا ، فذهب الجمهور إلى الأوّل ؛ لقيام القرينة على تعيّنه وسدّ الظرف مسدّه.
وذهب ابن جنّى إلى الثاني. وقال نجم الائمة رضى الله عنه : إنّه لا شاهد له (١) ، فمن يرى وجوب الحذف فيها اعتبره في المستقرّ مطلقا ؛ لأنّ كلّ ما كان المتعلّق عامّا في غير المواضع الأربعة لا يجوز حذفه اتّفاقا ؛ وفيها يجب الحذف عند تحقيقهم ، فلذلك زعموا أنّ وجوب الحذف وكونه مقدّرا متلازمان ، وأمّا من لم ير وجوب الحذف فيها فاكتفى في الظرف المستقرّ بكونه عامّا ومقدّرا فتدبّر.
ثمّ اختلفوا في أن المتعلّق فى المستقرّ إذا حذف هل يحذف مع الضمير أم يحذف فارغا عنه واستتر الضمير فى الظرف؟ فذهب السيرافى إلى الأول وأبو على ومن تابعة إلى الثاني ، وهو المختار عندهم ، لوجوه مذكورة في كتب النحو (٢) فعلى الاول تسميته بالمستقرّ إمّا لتعلّقه بالاستقرار العامّ وما هو بمعناه ، أو لدلالة الظرف بلا حاجة إلى القرينة على المتعلّق المحذوف ، فكأنّه مستقرّ فيه ، فالظرف مستقرّ فيه حذف فيه تخفيفا. وعلى الثاني إمّا لهذين الوجهين ، أو لاستقرار الضمير فيه ، أو لاستقرارهما معا. هذا ما تيسّر لنا في تحقيق المستقرّ.
فاللغو في مقابله ما كان متعلّقه إمّا خاصّا مذكورا أو مقدّرا أو عامّا مذكورا.
بقى شىء وهو أنّ المتعلّق في اللغو إن كان خاصّا محذوفا يحذف مع الضمير اتّفاقا ، ولعلّ وجهه أنّ في صورة كونه خاصّا لا يفهم المتعلّق من الظرف ولا يجوز
__________________
(١) وأمّا قوله : «فلمّا راه مستقرّا عنده» فمعناه ساكنا غير متحرّك وليس بمعنى كائنا ، وما نقل عن أمير المؤمنين عليهالسلام في وصفه تعالى من قوله «لم يحلّ في الاشياء فيقال هو فيها كائن» فكان الكائن فيه من الكون في الاشياء بمعنى الحلول وليس من الافعال العامّة منه رحمهالله.
(٢) قد اطال الكلام فيه نجم الائمة رضى الله عنه في بحث وقوع الخبر ظرفا فليطالع ثمّة. منه رحمهالله.
