فإن قلت : إذا جاز أن يزول الجزم بشيء باعتبار مقابلته لما هو أقوى منه جزما فيلزم أن لا يحصل جزم بأمر أصلا ، إذ كل ما يجزم العقل به يمكن أن يوجد ما هو أقوى منه. وعند تجويز ذلك لا يحصل القطع البتة.
قلت : لا شكّ أنّ بعض المقدّمات البديهيّة بحيث لا يجوز العقل أن يوجد ما هو أقوى منه ، كالمقدّمتين اللتين ذكرناهما ، وإنكاره سفسطة ، والبعض الآخر الذي ليس كذلك فلا نضايق في أن لا يسمّى الاعتقاد به جزما.
أو يقال : إنّه يسمّى بالجزم باعتبار أنّه مجزوم به مع قطع النظر عن حصول المعارض الأقوى. أو يقال : إنّ كلّما يجزم العقل به وإن لم يكن بمنزلة هاتين المقدّمتين أيضا ما لم يطّلع على معارضه الذي هو أقوى منه ، لم يجوّز وجود معارض له أقوى منه.
فإن قلت : إذا أمكن أن يكون العقل يجزم بشيء ولم يجوّز وجود معارض أقوى منه ، ثمّ يطّلع على معارض أقوى منه ويرتفع جزمه الأوّل فحينئذ يجري هذا الاحتمال في كلّ بديهي مجزوم به حتى المثالين المذكورين أيضا من دون تفاوت ، فيلزم ارتفاع الجزم رأسا.
قلت : يمكن أن يقال : إنّ الجازم بشيء متى كان جازما به لا يجوز أن يحصل له أمر يكون سببا لارتفاع جزمه مع وجود عقله بحاله ، وإن شاهد أنّ جزمه بالأشياء قد زال بسبب ظهور المعارضات ألف مرّة كما يحكم به الوجدان.
وبهذا اندفع أيضا ما قيل : إنّ الجهل المركّب لا جزم فيه ، وإلّا لزم ارتفاع الجزم بالكلّية بمثل البيان المذكور. هذا.
ثمّ لا يذهب عليك أنّ زوال الجزم لا ينحصر في ظهور معارض أقوى منه ،
