والأدلة الشرعية على ما ذكره كثيرة في الكتاب والسنّة ، منها ما قصصنا عليك في تنزّلات القرآن ، ومنها قوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى).
ومنها الحديث الذى يرويه البخارىّ في صحيحه عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها : أنّ الحارث بن هشام سأل رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس ـ وهو أشدّه على ـ فيفصم عنّى وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثّل لى الملك رجلا فيكلّمنى فأعي ما يقول» قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحى في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا
. ب ـ الوحى من ناحية العلم
اعلم أن أعداء الوحى ومنكريه لا يؤمنون بالشرع وأدلة الشرع. إنما يؤمنون بالعقل على الطريقة التى يستسيغونها ، وبالعلم الذى تواضعوا عليه في اصطلاحهم الحديث ، وهو جملة المعارف اليقينية التى أنتجها دستور البحث الجديد في الوجود وكائناته ، من جعل الشك أساسا للبحث ، والاستناد إلى القاطع الذى يؤيده الحسّ دون سواه ، فهم يقدّمون الشكّ ويمنعون فيه ، ثم لا يعترفون إلا بالحسيّات ، ولا يحفلون بمجرد العقليات. ومن هنا سجنوا أنفسهم في سجن المادّة ، ومكثوا حينا من الدهر ينكرون ما وراء المادّة ، ويسرفون في الشكوك إلى أبعد الحدود ، ويستخفّون بأمر الإلهيات والنبوّات والوحى إلى مدى بعيد لم تصل إليه أظلم عهود الجاهلية ، لو لا أن صدمهم العلم نفسه صدمة عنيفة غيّرت رأيهم في إنكار ما وراء المادة كما يأتى إن شاء الله. وإنما نبدأ هنا بأدلة الوحى العلمية ، لأنها في الواقع أدلة لإمكان الوحى وتقريبه إلى المعقول. وإمكان الوحى هو الخطوة الأولى في الموضوع ،
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
