كالخمر ... تدرّجا حكيما حقّق الغاية ، وأنقذهم من كابوسها في النهاية. وكان الإسلام في انتهاج هذه الخطّة المثلى أبعد نظرا ، وأهدى سبيلا ، وأنجح تشريعا ، وأنجع سياسة ، من تلكم الأمم المتمدنية المتحضرة التى أفلست في تحريم الخمر على شعوبها أفظع إفلاس ، وفشلت أمرّ فشل. وما عهد أمريكا في مهزلة تحريمها الخمر ببعيد.!
أليس ذلك إعجازا للإسلام في سياسة الشعوب ، وتهذيب الجماعات ، وتربية الأمم؟ بلى ، والتاريخ على ذلك من الشاهدين!!.
خامسها : تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين ، بسبب ما كان بقصّة القرآن عليهم الفينة بعد الفينة والحين بعد الحين ، من قصص الأنبياء والمرسلين وما كان لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين ، وما وعد الله به عباده الصالحين ، من النصر والأجر والتأييد والتمكين. والآيات في ذلك كثيرة حسبك منها قول العلىّ الكبير في سورة النور : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ). وقد صدق الله وعده ، ونصر عبده وأعزّ جنده ، وهزم الأحزاب وحده (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ).
ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثانية بما انضوى تحتها في قول الله تعالى في سورة لإسراء (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ) كما يمكن أن يفسر بها قوله تعالى في سورة الفرقان في بيان أسرار التنجيم (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) باعتبار أن التنوين للتعظيم إشارة إلى المعانى المنطوية تحت هذا الترتيل.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
