وهذا رأى قريب من الصواب ، لو لا أنه لم يقصر نظره على ما هو الواقع القائم بيننا اليوم من القراءات ، ولم يطبق الحكم ولم يفصله فيه ، بل ساق الكلام عامّا كما ترى.
والتحقيق هو ما ذهب إليه أبو الخير بن الجزرى ، من أن القراءات العشر التى بين أيدينا اليوم متواترة دون غيرها. قال في منجد المقرئين ما يفيد أن الذى جمع في زمننا هذه الأركان الثلاثة (أى في ذلك الضابط المشهور مع ملاحظة إبدال شرط صحة الإسناد بتواتره) هو قراءة الأئمة العشرة التى أجمع الناس على تلقيها بالقبول. أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا. فقراءة أحدهم كقراءة الباقين في كونها مقطوعا بها.
أما قول من قال : إن القراءات المتواترة لا حدّ لها فإن أراد القراءات المعروفة في زماننا فغير صحيح ؛ لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء القراءات العشر. وإن أراد ما يشمل قراءات الصدر الأول فمحتمل.
ثم إن غير المتواتر من القراءة على قسمين :
(القسم الأول ما صحّ سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ووافق العربية والرسم. وهذا ضربان : ضرب استفاض نقله وتلقته الأمة بالقبول ، كما انفرد به الرواة وبعض الكتب المعتبرة ، أو كمراتب القراء في المدّ ونحو ذلك ، فهذا صحيح مقطوع به وبأنه منزل من عند الله على النبى صلىاللهعليهوسلم من الأحرف السبعة. وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها ، لأنه من قبيل أخبار الآحاد التى احتفت بها قرائن تفيد العلم. والضرب الثانى لم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض. وهذا فيه خلاف العلماء : منهم من يجوّز القراءة والصلاة به ، ومنهم من يمنع القراءة بما وراء العشرة منع تحريم لا كراهة. قال ابن السبكى في جمع الجوامع : «ولا تجوز القراءة بالشاذّ : والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ ، وفاقا للبغوى والشيخ الإمام». ويريد بالشيخ الإمام والد مجتهد العصر أبا الحسن على بن عبد الكافى السبكى.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
