عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتى : يا معشر المسلمين : أبشروا! هذا رسول الله صلىاللهعليهوسلم. فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه رضى الله عنهم ينافحون عنه. ثم لام النبى صلىاللهعليهوسلم أصحابه على الفرار. فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا. أتانا الخبر أنك قتلت ، فرعبت قلوبنا ، فولّينا مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً) الخ من سورة آل عمران.
والظاهر أن هؤلاء الطاعنين بزيادة هذه الآية وأنها من كلام أبى بكر ، يعتمدون فيما طعنوا على ما كان من عمر يوم وفاة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ومن ردّ أبى بكر عليه بهذه الآية ، فزعموا أنها من كلام أبى بكر ، وما هى من كلام أبى بكر. إنما هى من كلام رب العزة ، أنزلها قبل وفاة الرسول صلىاللهعليهوسلم ببضع سنين ، والمسلمون جميعا ـ ومنهم أبو بكر وعمر ـ يحفظونها ويعرفونها. غير أن منهم من ذهل عنها كعمر ، لهول الحادث وشدة الصدمة ، وتصدّع قلبه بموت رسول الرحمة وهادى الأمة صلىاللهعليهوسلم.
وكان من آثار ذلك أن عمر رضى الله عنه غفل عن هذه الآية يوم توفى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقام يومئذ وقال : «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم توفى. وإن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما مات. ولكنه ذهب إلى ربه ، كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : مات. والله ليرجعنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم كما رجع موسى فليقطّعنّ أيدى رجال وأرجلهم ، زعموا أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم مات».
هنا لك نهض أبو بكر نقذ الموقف فقال : «على رسلك يا عمر ، أنصت ، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال : أيها الناس : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
