وإبقاء التشريع على قراءته وقرآنيته من غير نسخ. وذلك على أن المراد من النسيان المحو التامّ من الذاكرة. أما إن أريد به غيبة الذهن عنه فقد سبق القول فيه قريبا. ولا تحسبن أن دواعى سهو الرسول ونسيانه تنال من مقامه ، فإنها دواع شريفة على حدّ ما قيل :
|
«يا سائلى عن رسول الله كيف سها؟ |
|
والسهو من كل قلب غافل لاهى |
|
سها عن كل شىء سرّه ، فسها |
|
عما سوى الله ، فالتعظيم لله |
(٣ و ٤) وأما احتجاجهم الثالث والرابع بأن الصحابة قد حذفوا من القرآن عند جمعه ما رأوا المصلحة في حذفه ، ومنه آية المتعة وصيغة القنوت ، فهو احتجاج باطل قائم على إهمال النصوص الصحيحة المتضافرة على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أحرص الناس على الاحتياط للقرآن ، وكانوا أيقظ الخلق في حراسة القرآن ، ولهذا لم يعتبروا من القرآن إلا ما ثبت بالتواتر ، وردّوا كل ما لم يثبت تواتره لأنه غير قطعى ويأبى عليهم دينهم وعقلهم أن يقولوا بقرآنية ما ليس بقطعى. وقد سبق لك ما وضعوه من الدساتير المحكمة الرشيدة في كتابة الصحف على عهد أبى بكر ، وكتابة المصاحف على عهد عثمان. فارجع إليها إن شئت لتعرف مدى إمعان هؤلاء المبطلين في التجنّى والضلال.
وإذا كان هؤلاء الطاعنون يريدون أن يلمزوا الصحابة ويعيبوهم بهذه الحيطة البالغة لكتاب الله ، حتى أسقطوا ما لم يتواتر ، وما لم يكن في العرضة الأخيرة ، وما نسخت تلاوته وكان يقرؤه من لم يبلغه النسخ ، نقول : إذا كانوا يريدون أن يلمزوا الصحابة والقرآن بذلك ، فالأولى لهم أن يلمزوا أنفسهم وأن يواروا سوأتهم. لأن المسلمين كانوا ولا يزالون أكرم على أنفسهم من أن يقولوا في كتاب الله بغير علم ، وأن ينسبوا إلى الله ما لم تقم عليه حجة قاطعة ، وأن يسلكوا بالقرآن مسلك الكتب المحرفة والأناجيل المبدلة.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
