بعد ما تدنّست جوانب الأرض بالوثنية ، وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى صلىاللهعليهوسلم جاء مخلصا لروحها مما عرض عليه من البدع. ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين ، وحجب نوره بالبدع ، وإخطاء معناه بالتأويل ، وإحداث ما ليس منه بسبيل ، فمنّ الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الانسانية وبين ما يلحق ، وهو عهد ظهور النور المحمدى من مكة المكرمة. وإليه أشار بذكر البلد الأمين. وعلى هذا القول الذى فصلنا بيانه ، يتناسب القسم والمقسم عليه. ا ه ما أردنا نقله.
الشبهة الخامسة
يقولون : إن القسم المكى من القرآن قد اشتمل على لغو من الكلام في كثير من فواتح السور مثل «الم وكهيعص». وذلك يبطل دعوى المسلمين أن القرآن بيان للناس وهدى ، وأنه كلام الله. وأىّ بيان وأى هدى في قوله (الم) وقوله (كهيعص)؟ بل هذه الأحرف وأمثالها في غاية البعد عن الهدى ، بدليل أنه لم يهتد أحد منهم ولا الراسخون في العلم لإدراك معناها. فالخطاب بها كالخطاب بالمهمل ، وإنما هذه الألفاظ من وضع كتبة محمد من اليهود تنبيها على انقطاع كلام واستئناف آخر ، ومعناها (أوعز إلىّ محمد) أو (أمرنى محمد) يشيرون بذلك إلى براءتهم من الإيمان بما يأمرهم بكتابته. وقريب من هذا قول بعضهم : إن الحروف العربية غير المفهومة المفتتح بها أوائل بعض السور ، إما أن يكون قصد منها التعمية أو التهويل أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف ، أو هى رمز للتمييز بين المصاحف المختلفة ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
