وننقض هذه الشبهة بأمور : (أولها) أنه لم يكن للرسول صلىاللهعليهوسلم كتبة من اليهود أبدا. وها هو التاريخ حاكم عدل لا يرحم ولا يحابى ، فليسألوه إن كانوا صادقين. (ثانيا) أنه لا دليل لهم أيضا على أن فواتح هذه السور تستعمل في تلك المعانى التى زعموها وهى (أوعز إلىّ محمد) أو (أمرنى محمد) ، لا عند اليهود ولا عند غيرهم في أية لغة من لغات البشر. (ثالثها) أن اليهود لم يعرف عنهم الطعن في القرآن بمثل هذا. ولو كان هذا مطعنا عندهم لكانوا أول الناس جهرا به ، وتوجيها له ، لأنهم كانوا أشد الناس عداوة للنبى صلىاللهعليهوسلم والمسلمين ، يتمنّون أن يجدوا في القرآن مغمزا من أى نوع يكون ، ليهدموا به دعوة الإسلام. كيف وهم يكفرون به حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق؟ (رابعها) : أن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافى وصف القرآن بأنه بيان للناس وهدى ورحمة ، فإن هذه الأوصاف يكفى في تحقّقها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعه لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل لفظ فيه. ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية وهداية للخلق إلى الحق ، ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجواب مبنىّ على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور ، وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا ، بل هو من الأسرار التى استأثر الله بعلمها ، ولم يطلع عليها أحدا من خلقه. وذلك لحكمة من حكمة تعالى السامية وهى ابتلاؤه سبحانه ، وتمحيصه لعباده ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، وصادق الإيمان من المنافق ، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه ، ودلائل هدايته ، وشواهد رحمته ، فى غير تلك الفواتح من كتابه ، بين آيات وسور كثيرة ، لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر ، أو غيضا من فيض.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
