رابعا ـ أن القرآن قد تحدّى الناس جميعا مكيّهم ومدنيّهم ، وعربيّهم وعجميّهم ، أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة من تلك السور القصيرة ، فعجزوا أجمعين ، وأسلم المنصفون منهم لله رب العالمين. فلو كان القصر أثرا للانحطاط كما يقول أولئك المرجفون ، لكان في مقدور الممتاز غير المنحطّ أن يأتى بمثل ذلك المنحط ، بل بأرقى منه (سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ).
وإذا أراد أولئك المتقولون ، أن يعللوا القصر والطول بأن المكى لم يتعرض لتفاصيل التشريع بخلاف المدنى ، فإليك هذه الشبهة وتمحيصها فيما يليك.
الشبهة الثالثة
يقولون : إن القسم المكى خلا من التشريع والأحكام ، بينما القسم المدنى مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام. وذلك يدل على أن القرآن من وضع محمد وتأليفه تبعا لتأثره بالوسط الذى يعيش فيه ، فهو حين كان بمكة بين الأميين جاء قرآنه المكى خاليا من العلوم والمعارف العالية ، ولما حل بالمدينة بين أهل الكتاب المثقفين جاء قرآنه المدنى مليئا بتلك العلوم والمعارف العالية.
وننقض هذه الشبهة : (أولا) ـ بأن القسم المكى لم يخل جملة من التشريع والأحكام ، بل عرض لها وجاء عليها ، ولكن بطريقة إجمالية ، فإن مقاصد الدين خمسة : (١) الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره (٢) وحفظ النفس (٣) وحفظ العقل (٤) وحفظ النسل (٥) وحفظ المال. وقد تحدّث القسم المكى عنها إجمالا. اقرأ إن شئت قوله تعالى من سورة الأنعام المكية (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إلى تمام ثلاث آيات بعدها ، جمعت الوصايا العشر لهذه المقاصد الخمسة.
ولا يخفى عليك أن آيات العقائد في القسم المكى ظاهرة واضحة ، وكثيرة شائعة ،
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
