ليست من موضوع الاشتباه ، ولا يختلف اثنان في أنها أكثر من مثيلاتها في السور المدنية بأضعاف الأضعاف.
(ثانيا) ـ أن كثرة التفاصيل في تشريع الأحكام بالمدينة ، ليس نتيجة لما زعموه.
إنما هو أمر لا بدّ منه في سياسة الأمم ، وتربية الشعوب ، وهداية الخلق. ذلك أن الطفرة حليفة الخيبة والفشل ، والتدرّج حليف التوفيق والنجاح ، وتقديم الأهمّ على المهمّ واجب فى نظر الحكمة. لهذا بدأ الله عباده في مكة بما هو أهمّ : بدأهم بإصلاح القلوب وتطهيرها من الشرك والوثنية ، وتقويمها بعقائد الإيمان الصحيح والتوحيد الواضح ، حتى إذا استقاموا على هذا المبدأ القويم ، وشعروا بمسئولية البعث والجزاء ، وتقرّرت فيهم هذه العقائد الراشدة ، فطمهم عن أقبح العادات وأرذل الأخلاق ، وقادهم إلى أصول الآداب وفضائل العادات ، ثم كلفهم ما لا بدّ منه من أمهات العبادات. وهذا ما كان فى مكة. ولما مرنوا على ذلك ، وتهيأت نفوسهم للترقى والكمال ، بتطاول الأيام والسنين ، وكانوا وقتئذ قد هاجروا إلى المدينة ، جاءهم بتفاصيل التشريع والأحكام ، وأتم عليهم نعمته ببيان دقائق الدين وقوانين الإسلام.
ونظير ذلك ما تواضع عليه الناس قديما وحديثا في سياسة التعليم ، من أنهم يلقنون البادئين في مراحل التعليم الأولى أخفّ المسائل وأوجزها ؛ فيما يشبه قصار السور ، ومختصر القصص ، حتى إذا تقدّمت بهم السن وعظم الاستعداد ، تلاطم بحر التعليم وزاد ، على حدّ قولهم. «الإمداد على قدر الاستعداد».
أما ما زعموه من أن ذلك كان نتيجة لاختلاط محمد بأهل المدينة المستنيرين ؛ فينقضه أن القرآن جاء يصلح عقائد أهل الكتاب وأخطاءهم في التشريع وفي التحليل والتحريم ، وفي الأخبار والتواريخ ، فكيف يأخذ المصيب من المخطئ؟ وهل
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
