أنها جعلت الناس قسمين : قسما غريقا في الخسران ، وقسما فاز ونجا من هذا الخسران ، وهم الذين جمعوا عناصر السعادة الأربعة. اقرأ قوله سبحانه : (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) فهل ترى فيها ظلّا للسباب والإقذاع؟ ولكن القوم لا يستحون!.
وأما سورة (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) : فمبلغ ما تشير إليه ، أن المخاطبين شغلتهم الدنيا عن الدين ، وألهتهم الأموال عن رب الأموال ، حتى انتهت أعمارهم وهم على هذه الحال. وغدا يسألون عن هذا النعيم ، ويعاقبون على إهمال شكره بعذاب الجحيم.
وأما قوله سبحانه : (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ) ، فهو حكاية لما حلّ بالأمم السابقة كثمود وعاد ، حين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، ليكون من هذا القصص والخبر ، عبرة لأولئك الكفار ومزدجر ، فلا يقعوا فيما وقع فيه أسلافهم ، لأن سنّة الله واحدة في الأمم ، وميزان عدالته قائم في كل جيل وقبيل. (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ).
الخلاصة
والخلاصة أن القرآن كله قام على رعاية حال المخاطبين ، فتارة يشتدّ وتارة يلين ، تبعا لما يقتضيه حالهم ، سواء منهم مكيّهم ومدنيّهم ، بدليل أنك تجد بين ثنايا السور المكّية والمدنية ، ما هو وعد ووعيد وتسامح وتشديد ، وأخذ وردّ ، وجذب وشدّ ، كما سبق لك في الأمثلة والشواهد الكثيرة. وإذا لوحظ أن أهل مكة كثر خطابهم بالشدّة والعنف ، فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول وأصحابه والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم. ولم يكتفوا بذلك بل أرسلوا إليهم الأذى فى مهاجرهم.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
