وخصومتهم للإسلام ، ونقدهم للقرآن ، تبعد كلامهم عن كل تأويل حسن ، وتحمله على أسوإ فروضه.
ولنأت لك على بنيان هذه الشبهة من القواعد ، لتعلم إغراقها في البطلان وإغراق ذويها فى الكذب والاسفاف.
(١) ـ فأما قولهم : إن القسم المكى قد تفرّد بالعنف والشدّة فينقضه أن في القسم المدنى شدة وعنفا ، فدعوى تفرّد القسم المكى بذلك باطلة ، قال تعالى في سورة البقرة وهى مدنية : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) وقال فيها أيضا : (إنّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) وقال فيها أيضا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ).
وقال سبحانه في سورة آل عمران ـ وهى مدنية كتلك ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ).
وإنما اشتمل القرآن الكريم بقسميه المكى والمدنى على الشدّة والعنف ، لأن ضرورة التربية الرشيدة ، فى إصلاح الأفراد والشعوب ، وسياسة الأمم والدول ، تقضى أن يمزج المصلح في قانون هدايته ، بين الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد والشدّة واللين.
ثم إن دعواهم انفراد المكى بالعنف والشدّة ، يفهم منه دعوى انفراد المدنى
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
