وهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون كما ترى ، لكن يرد عليه أمران : أحدهما ما ورد على سابقه من أنّه غير ضابط ولا حاصر ، فإن في القرآن ما نزل غير مصدّر بأحدهما نحو قوله سبحانه في فاتحة سورة الأحزاب : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) الخ ونحو قوله سبحانه في فاتحة سورة المنافقين : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) الخ.
(ثانيهما أن هذا التقسيم غير مطّرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين ، بل إن هناك آيات مدنية صدّرت بصيغة (يا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وهناك آيات مكية صدّرت بصيغة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). مثال الأولى سورة النساء ، فإنها مدنية وأولها (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) ، وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ).
ومثال الثانية سورة الحج فإنها مكية مع أن في أواخرها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) الخ.
قال بعضهم : «هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر ، فإن سورة البقرة مدنية وفيها (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) إلى آخر ما ذكرناه أمامك. غير أنه قال أخيرا ما نصّه : ـ «فإن أريد أنّ الغالب كذلك فصحيح».
أقول : ولكن صحّة الكلام في ذاته لا تسوّغ صحّة التقسيم ، فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطا حاصرا ، وأن يكون مطّردا. وقيد الغالبيّة المراد ، لا يحقّق الضبط والحصر وإن حقّق الاطراد ، فيبقى التقسيم معيبا. على أنهم قالوا : المراد لا يدفع الإيراد.
(الاصطلاح الثالث) وهو المشهور : أن المكى ما نزل قبل هجرته صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة ، وإن كان نزوله بغير مكة ، والمدنى ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة.
وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول ، وهو تقسيم صحيح سليم ، لأنه ضابط حاصر ومطّرد لا يختلف ، بخلاف سابقيه ، ولذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم. وعليه فآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
