قد داوروا بينهم لغات العرب جميعا وتداولوها ، وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء فى الأسواق العربية ومواسمها ، وأيامها ووقائعها ، وحجها وعمرتها ثم استعملوه وأذاعوه ، بعد أن هذّبوه وصقّلوه. وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافّة. وكان هذا سببا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم ، واجتماع أوزاع العرب عليهم.
ومن هنا شاءت حكمة الحكيم للعليم أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق ، وأن يطلّ عليهم من هذه السماء سماء قريش ولغتها التى أعطوها مقادتهم ، وولوا شطرها وجوههم ، فخاطبهم بهذا اللسان العام لهم ، ليضمّ نشرهم ، ولينظم نثرهم. وقد تمّ له ما أراد بهذه السياسة الرشيدة التى جاءتهم بالإعجاز البيانى عن طريق اللغة التى انتهت إليها أفصح اللغات ، وباللسان الذى خضعت له وتمثلت فيه كافة الألسنة العربية ولو نزل القرآن بغير لغة قريش هذه لكان مثار مشاحنات وعصبيات ، ولذهب أهل كل قبيلة بلغتهم ولعلا بعضهم على بعض ، ولما اجتمع عليه العرب أبدا. بل لو نزل القرآن بغير لغة قريش لراجت شبهتهم وافتراؤهم عليه أنه سحر وكهانة وما إليهما ، نظرا إلى أنه قد دخل عليهم من غير بابهم فلا يستطيعون القضاء فيه ، ولا إدراك الفوارق البعيدة بينه وبين الحديث النبوى ، مما يجعلهم يذوقون الإعجاز ويلمسونه ، كما تذوقوه بوضوح حين نزل بلسانهم. (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
(الشبهة الرابعة):
يقولون : إنه لا معنى للأحرف السبعة التى نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء.
والجواب : أن هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
