والجواب : أن طرد العامّ على عمومه لا يخلّ بمطابقته لسببه الخاص ؛ لأن هذه المطابقة تحصل بكون اللفظ أعمّ من سببه ، كما تحصل بمساواته إياه ، فإن المقصود من المطابقة أن يكون اللفظ مبينا لحكم السبب وغير قاصر عن الوفاء به ، وهو إذا جاء أعمّ يكون قد وفّى بالمراد وزاد.
ويمكن أن تسبك من هذا قياسا استثنائيّا صيغته هكذا : لو لم تكن العبرة بخصوص السبب ، لكان اللفظ غير مطابق للسبب. لكن التالى باطل ، فثبت نقيض المقدم. دليل الملازمة : أن الكلام هنا مفروض في سبب خاص ولفظ عام ، ولا شك أن العام لا يطابق الخاص. ودليل بطلان التالى : أن عدم المطابقة مناف للحكمة ، ومخلّ بالبلاغة.
والجواب : أننا نبطل تلك الملازمة ، ونمنع دليلها وهو أن العام لا يطابق الخاص. كيف؟ والمطابقة كما تحصل بمساواة اللفظ للسبب عموما وخصوصا ، تحصل بكون اللفظ أعم من السبب ، لأن المراد من الجواب أن يتحدّث عن السبب ويبين حكمه ، وذلك حاصل مع كونه أعم منه ، ولا يتوقف على مساواته إياه.
ملاحظة : يمكنك بعد هذا البيان ، أن تحول تلك الأقيسة الاستثنائية إلى أقيسة اقترانية ، ثم تستدل على مقدماتها بسهولة ويسر ، على نمط ما فعلنا بأدلة الجمهور.
فأمامك المجال ، ولا داعى لإطالة المقال.
كما أرجو أن يعذرنى القارئ الكريم ، إذا شقّ عليه بعض الشيء أن يهضم تلك الصناعة الفنيّة في صياغة الأدلة بعض الأحيان ؛ فإن للوسط قضاء لا يردّ ، وللصناعة حكما لا ينقض. ومن واجبى أن أشبع حاجة هؤلاء وهؤلاء ، لذلك ترانى طورا هنا وطورا هناك. والله هو الفتاح العليم ؛ وهو الموفق والمعين.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
