مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) الآية قد وبخهم على كفرهم فلا مدخل لكونه خالقا لكفرهم في باب ذمهم ولا شيء أبلغ في عذرهم من أن يكون خالقا لما ذمهم من أجله وهذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا وإذا أردنا ذم إنسان قلنا ألا أخبركم بشر الناس من فعل كذا وصنع كذا فيعدد من الأفعال والأحوال قبائحها ولا يدخل في جملتها ما ليس بقبيح وأكثر ما فيها أنه خلق وجعل من يعبد الطاغوت كما (جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) ولا شبهة في أنه تعالى خلق الكافر غير أنه لا يوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا والدليل قد دل على أن ما به يكون القرد قردا والخنزير لا يكون إلا فعله وهكذا حكم من كفر ولا يكون قوله تعالى (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) معطوفا على (الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) بل معطوفا على (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) وتقديره من لعنه الله ومن غضب عليه ومن عبد الطاغوت ومن جعل الله منهم القردة والخنازير وهو الصحيح لأن عبد فعل والفعل لا يعطف على الاسم وأما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم فجرى ذلك مجرى أفعالهم كما ذمهم بأن لعنهم وغضب عليهم من حيث استحقوا ذلك بأفعالهم وعبادتهم الطاغوت.
قوله سبحانه :
حكاية عن موسى ع (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) إلى قوله (دَعْوَتُكُما) الطمس على أموالهم لا يوجب نفي الإيمان لأن مع ذلك يصح منهم الإيمان وكذلك يصح مع الشدة على القلوب لأن معناه يحتمل وجهين إما كن شديدا عليهم والشدة راجعة إلى المسئول دون المسئول له لأنه لم يقل اشددهم أو شدد قلوبهم وأيضا إن لفظ الشد يختلف باختلاف ما يتعلق بها من حروف الصفات وبأماكنها يقال شد كذا وشد عليه كذا إذا جعله مشدودا بحبل أو نحوه وشدده إذا جعله شديدا وشد على فلان مطلقا إذا حمل عليه قال ابن مرداس أشد على الكتيبة لا أبالي ويقال شدوا عليهم شدة واحدة إذا حملوا عليهم فيحتمل أن يريد احمل عليهم.
قوله سبحانه :
(وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) أضاف التثبيت إلى نفسه
![متشابه القرآن ومختلفه [ ج ١ ] متشابه القرآن ومختلفه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4252_mutashabih-alquran-wamokhtalef-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
