البصائر من قومه ينصحونه ويحذّرونه عاقبة ما هو عليه من الخيلاء والزهو. فكان يتبجّح ويقول : إنّما أوتيته على علم عندي. ـ ويقال : إنّه كان واقفا على سرّ الصناعة أي الكيمياء ـ (١) فكان يخرج على قومه في زينته مفتخرا عليهم ، ويتحسّره القوم ويقول الضعفاء : (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). (٢) وبذلك كاد أن يتغلّب على موسى وقومه ، لو لا أن خسف الله به وبداره الأرض ، وبكلّ ما كان يملكه من كنوز. (٣)
وأمّا قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ. إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ). (٤) حيث يبدو أنّه كان مع فرعون ومن قومه ، فالظاهر إرادة أنّه بالذات كان مقصودا بالإنذار إلى جنب فرعون وهامان ، من غير أن يستدعي ذلك أن يكون منهم ، بل معهم في العتوّ والطغيان ، ولعلّه كان واقفا بصفّهم إزاء موسى وهارون. قال تعالى : (وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ). (٥) فقد كان قارون مقصودا كما كان فرعون وهامان ، لعتوّهم واستكبارهم في الأرض جميعا.
(ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ)
قال تعالى بشأن ضخامة ثراء قارون : (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ). (٦)
قال الطبرسي : «ما» هذه موصولة بمعنى الذي. وصلتها : إنّ ، مع اسمها وخبرها. أي أعطيناه من الأموال المدّخرة قدر الذي ينيء مفاتحه العصبة (٧) أي يثقلهم حمله. والعصبة : الجماعة الملتفّة بعضها ببعض ، أي المتآزرة على عمل ثقيل. أي كان حملها يضني بالفئام من أقوياء الناس.
__________________
(١) أي إحالة الفلزّات الخسيسة إلى فلزّ نفيس هو الذهب. وقد أحاله قوم ، لكن الاستمرار في البحث في الذرّة ـ أو الجوهر الفرد ـ أصبح أن جعله ممكنا ، والعلماء جادّون في تفريق أجزاء الذرّة ، حتى إذا تمّ لهم ذلك أمكنهم إيجاد أيّ مركّب شاءوا ، الذهب أو غيره. وحينذاك يكون ما كان يبدو مستحيلا قد صار جائزا. قصص الأنبياء للنجّار ، ص ٢٨٥.
(٢) القصص ٢٨ : ٧٩.
(٣) راجع : سفر الخروج ، إصحاح ١٦ / ١ ـ ٣٠.
(٤) غافر ٤٠ : ٢٣ و ٢٤.
(٥) العنكبوت ٢٩ : ٣٩.
(٦) القصص ٢٨ : ٧٦.
(٧) مجمع البيان ، ج ٧ ، ص ٢٦٦.
