* * *
رأى فرعون الآيات ولكنّه تمادى في كفره وأصرّ على عناده ، وعاد في اضطهاد بني إسرائيل ، معتزّا بما له عليهم من القهر والغلبة والسلطان ، فطبيعيّ أن يضجّ بنو إسرائيل بالشكوى إلى موسى ممّا حاق بهم من الحيف والجور. فوصّاهم موسى بالصبر والاستعانة بالله ، ووعدهم بالنصر وحسن العاقبة. فلم يكفكف ذلك دموعهم وقالوا له : (أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا)! فمنّاهم هلاك عدوّهم وإخراجهم من الضيق إلى السعة وأن يكونوا خلفاء في الأرض التي وعدوا بها. (١) وأراد فرعون أن يبطش بموسى ، متحدّيا إلهه حتى لا يكون منه تبديل لدين القوم. ولكنّ موسى عاذ بالله من شرّ هذا المتكبّر العاتي ، فكان عياذا. (٢) فاصيب فرعون وقومه الدمار والهلاك (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ). (٣)
انطلق موسى بقومه من أرض مصر ، ذاهبا إلى أرض فلسطين ، كما قال تعالى : (وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى). (٤)
فهل كان هذا الانطلاق بناء على أمر صدر له من فرعون ، بعد أن أمضّه الله وقومه بسوء العذاب ، في الآيات التسع؟
تقول التوراة : إنّ ذلك كان بناء على سماح فرعون لهم بالانطلاق ، ليخلص من ضروب العذاب التي حاقت بقومه.
جاء في الاصحاح ١٢ : ٢٩ ـ ٣٣ من سفر الخروج : «فحدث في نصف الليل أنّ الربّ ضرب كلّ بكر في أرض مصر ... وكان صراخ عظيم. لأنّه لم يكن بيت ليس فيه ميّت ... فدعا فرعون موسى وهارون وقال : قوموا اخرجوا من بين شعبي ، أنتما وبنو إسرائيل جميعا ، واذهبوا اعبدوا الربّ كما تكلّمتم. خذوا غنمكم أيضا وبقركم كما
__________________
(١) الأعراف ٧ : ١٢٩.
(٢) غافر ٤٠ : ٢٤ ـ ٢٧.
(٣) طه ٢٠ : ٧٨.
(٤) طه ٢٠ : ٧٧.
