وللحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤) هنا محاولة غريبة : (١) عمد إلى الجمع بين الروايات المختلفة بشأن الإسكندر ، وأنّه شخصان ، هو في أحدهما روميّ ، وفي الآخر يونانيّ مقدونيّ.
أخرج بإسناده إلى إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة ، قال : إسكندر هو ذو القرنين ، وأبوه أوّل القياصرة ، وكان من ولد سام بن نوح.
فأمّا ذو القرنين الثاني فهو اسكندر بن فيلبس من ذريّة إسحاق. قال : كذا نسبه ابن عساكر في تاريخه ، المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندريّة ، وكان متأخّرا عن الأوّل بدهر طويل. كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة. وكان أرسطاطاليس الفيلسوف وزيره ، وهو الذي قتل دارا وأذلّ ملوك الفرس وأوطأ أرضهم.
قال : وإنّما نبّهنا عليه لأنّ كثيرا من الناس يعتقد أنّهما واحد ، وأنّ المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيره ، فيقع بسبب ذلك في خطاء كبير وفساد عريض طويل كثير!!
فإنّ الأوّل كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا وكان وزيره الخضر ، وقد كان نبيّا على ما قرّرناه قبل ... وزاد في التفسير : أنّه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل وأوّل ما بناه وآمن به وأتبعه.
وأمّا الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا ، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة ، فأين هذا من هذا ، لا يستويان ولا يشتبهان إلّا على غبيّ لا يعرف حقائق الامور!! (٢)
ولعلّك أيّها القارئ النبيه ، في غنى عن التدليل على مواضع الضعف من هذه الأوهام والتي هي أشبه بالخيال من الحقيقة! فإنّ التناقض والتهافت فيما تلوناه عليك باد بعيان من غير حاجة إلى البيان.
وللدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر تفصيل وتبيين عن مواضع الإسكندر
__________________
(١) على غرار ما سبق عن زميله ابن قيّم ابن الجوزيّة (ت ٧٥١ ه) ، هما رضيعا ثدي واحد (تلميذا ابن تيميّة) وكان هائما في تخيّلاته ، وهكذا أثّر على أعقابه وأتباعه!
(٢) البداية والنهاية ، ج ٢ ، ص ١٠٥ ـ ١٠٦ ؛ وراجع تفسيره أيضا ، ج ٣ ، ص ١٠٠.
