ببنائه ملك واحد. تلك هي العادة في تشييد الأبنية الكبيرة في كلّ زمان ... (١)
ويجدر بالذكر أن نعلم أنّ اسم «شمر يرعش» قد حكّ على صخر عثر عليه في أنقاض مدينة مأرب ، وليس في انقاض السدّ ، ويرجع تاريخه إلى سنة (٢٧٠) بعد الميلاد. (٢)
ومن ثمّ فنوجّه عتابنا اللّاذع إلى الاستاذ أحمد موسى سالم ، في ذهابه إلى الرأي القائل بأنّ ذا القرنين ـ المذكور في القرآن والمتّسم ببناء سدّ يأجوج ومأجوج ـ هو الملك الحميري «شمر يرعش» (٣) ... بدافع عصبيّة عنصريّة ... وليحتكر كلّ شخصيّة عظيمة لقوميّته العربيّة حتى ولو خالف الواقع وعارضه التاريخ.
فقد غضب الاستاذ (سالم) لأنّهم قالوا بأنّه (ذا القرنين) فارسي أو يوناني أو رومي ، وليس عربيّا. وأغمض عينه عن كلّ شيء سوى الميل بكونه عربيا من اليمن. إن هذا إلّا تعصّب مقيت يتنافى وعصرنا الحاضر ، الذي تبدّى فيه كلّ شيء ، ولم يبق جانب إبهام على قضايا التاريخ القديم. كما كانت قبل اليوم.
كيف يرضى استاذ يعيش في عصر النور ، أن يجعل نفسه في غطاء التعامي عن كلّ مقوّمات التحقيق المعاصر ، والتي دلّتنا على أنّ بناء السدّ ـ أي سدّ كان : السدّ الحديدي في جبال قوقاز. أو سور الصين. أو سدّ مأرب ـ الذي يرجع تاريخه إلى قرون قبل الميلاد ...
ليجعله من بناء ملك عاش بعد الميلاد بقرون ...! (٤)
فقد صحّ قولهم : «حبّ الشيء يعمي ويصمّ» ، والعصمة لله.
__________________
(١) راجع : العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ، ص ١٦٢ ـ ١٦٣ و ١٦٩ ـ ١٧٦.
(٢) راجع : تاريخ العرب للدكتور السيد سالم ، ص ٥٤. (ذو القرنين لمحمد خير رمضان ، ص ١٨١).
(٣) راجع : كتابه «قصص القرآن ـ في مواجهة أدب الرواية والمسرح ـ» ، ص ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، ط ١٩٧٨ م. (ذو القرنين لمحمد خير رمضان ، ص ٢٣٣).
(٤) كان بناء سدّ مأرب حسب الكتابات المنقوشة في أنقاضه ، ما يرجع تأريخه إلى (٦٤٠ ـ ٦١٠ ق. م). ومعنى ذلك أنّه كان قبل «شمر يرعش» بحوالي (٩١٥) سنة. وقبل «تبّع الأكبر» بحوالي (٩٦٠) سنة. وقبل «الملك الصعب ـ ذي القرنين عندهم» بحوالي ٩٤٠ سنة. ومنه يتّضح عدم مشاركة أي واحد من الملوك الثلاثة في بناء سدّ مأرب. مفاهيم جغرافيّة ، ص ٢١٥.
