حَفِيًّا). (١)
فإبراهيم هنا قد وعد أباه أن يستغفر له ، وبالفعل وفى بوعده : (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ). (٢)
لكن سرعان ما رجع عمّا كان قد رجا في أبيه خيرا ، ومن ثمّ تبرّأ منه حين لم يرج فيه الصلاح ويئس منه. قال تعالى : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ). (٣)
هذا في بداية أمره قبل مغادرة بلاده وقومه قاصدا البلاد المقدّسة. والدليل على ذلك أنّه يبدأ الدعاء بقوله : (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ...) الخ.
* * *
وبعد ذلك يأتي دور مغادرته إلى الأرض المقدّسة ، ويبتهل إلى الله أن يرزقه أولادا صالحين. (فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ. وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ). (٤)
وهنا يجيب الله دعاءه : (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ). (٥)
ثمّ إنّه لمّا كبر ابنه إسماعيل وبنى البيت الحرام نراه يدعو لوالديه ويستغفر لهما : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) إلى قوله : (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ). (٦)
قال العلّامة الطباطبائي : والآية بما لها من السياق والقرائن المحتفة بها خير شاهدة على أنّ والده الذي دعا له واستغفر له هنا غير أبيه آزر الذي تبرّأ منه في سالف الأيام. فقد تحصّل أنّ آزر الذي جاء ذكره في تلك الآيات لم يكن والد إبراهيم ولا أباه الحقيقي ،
__________________
(١) مريم ١٩ : ٤١ ـ ٤٧.
(٢) الشعراء ٢٦ : ٨٦ ـ ٨٩.
(٣) التوبة ٩ : ١١٤.
(٤) الصافّات ٣٧ : ٩٨ ـ ١٠٠.
(٥) الأنبياء ٢١ : ٧١ و ٧٢.
(٦) إبراهيم ١٤ : ٣٥ ـ ٤١.
