العصور القديمة حتّى الآن ، فهي تنتج القمح والذرّة والبطاطا والخضروات والكرمة ، كما أنّ الماشية ترعى في سفوح الجبال وأشهر مواشيها الأغنام ... ومناخ جورجيا (گرجستان) من آلاف السنين ملائم لزراعة الحبوب وخاصّة الذرّة والكرمة والحمّضيّات والشمندر السكّري (١) وهذه المزروعات تجدها في كلّ أنحاء الإقليم. وثروة الإقليم بالماشية هائلة ، إذ تنتشر المراعي الواسعة كما رأينا وتربّى عليها قطعان الماشية وخاصّة الأغنام.
ومن الملامح التي عرضناها بإيجاز تأكّد لنا قدرة الإقليم على تموين العمّال والمهندسين بالطعام والشراب الكافي ، دون أن يحدث نقص في إمدادات الغذاء ، أي أنّ الأمن الغذائي كان مكفولا.
والموادّ الخام اللازمة كانت متوفّرة ، من حديد ونحاس وفحم وأخشاب ، وحيوانات الجرّ والحمل كانت موجودة تفي بالغرض تماما. والأيدي العاملة الرخيصة كانت متوفّرة كذلك. والخبرة الفارسيّة ، والتخطيط الدقيق لكورش كلّها كانت مقوّمات نجاح تشييد أعظم السدود في العالم ، لدرجة جعلت القرآن يصفه بالردم ، أي السّدّ الضخم الهائل في قوله تعالى : (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً). (٢)
وبعد فإليك الكلام عن السدّ (سدّ ذي القرنين الذي ذكره القرآن) وهل هو سدّ كورش التاريخي؟
سدّ كورش (ذي القرنين) التاريخي؟
في وصف شامل لسدّ كورش (ذي القرنين) وتحديد موقعه الجغرافي حاليّا على الخريطة السياسيّة ، وتحديد نوعيّة الدولة التي كانت تسيطر على المنطقة الجبليّة التي شيّد فيها ، يمكن القول : إنّه من المعطيات السابقة ، تتبلور ملامح سدّ كورش التاريخي في :
__________________
(١) فقد عرف الإقليم جميع الحبوب من آلاف السنين ـ حسبما تقول الجغرافيا التاريخيّة ـ وعثر عليها في الآثار القديمة ، ووجدت قوارير مملوءة بالحبوب وغيرها (القمح ـ الذرّة ـ القصب ـ الارز). انظر : مواطن الشعوب الإسلاميّة ، قفقازيا لمحمود شاكر ، ص ٦٢ ـ ٦٩. (مفاهيم جغرافية ، ص ٣١١).
(٢) مفاهيم جغرافية ، الفصل السابع ، ص ٣٠١ ـ ٣١٢.
