الإنساني الأمراض وطحنته الأدواء. فالواحد منّا عصارة لآلاف الأمراض التي انتابت آباءه وأمّهاته ، فلم تعد قوانا تتحمّل العمر الطويل.
وعند العلماء بالطبّ والأحوال الاجتماعية أنّ الإنسان قواه محدودة والحياة العريضة تستنفدها بسرعة بخلاف الحياة الضيّقة ، فإنّها تكون طويلة لقلّة ما يستنفد من قوى الأجسام بتلك الحياة. فنحن الآن لا نعيش عيشة البساطة التي كان يعيشها آدم ومن قرب منه ، بل نتفنّن في أنواع الطعام ولذائذ المعيشة بما ينهك قوانا ، فلا غرابة أن تكون أعمارنا قصيرة ، وقد اجتمعت عليها الأمراض المتوارثة والتبسيط في العيش. ويقول بعض الأطبّاء الألمان : إنّ إنسان هذا الزمان يمكن أن يعيش ثلاثمائة سنة إذا اتّبع نظاما خاصّا. (١)
وهكذا ذكر الشيخ محمّد عبده في إمكان إطالة الأعمار في عهد كانت الحياة غير موسّعة الأطراف والمعيشة على بساطتها الاولى غير معقّدة الجوانب ولا كانت مزدحم الأمراض والأدواء والشدائد والآلام حيث كانت طبيعة العمران ومعيشة الإنسان الفطرية أسلم للأبدان. (٢)
(وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ)(٣)
دلّت الآية على أنّه لم يبق بعد الطوفان سوى نوح وبنيه وذراريه. وحتّى الذين ركبوا معه في الفلك ممّن آمن به ونجوا من الغرق هلكوا وانقرضوا بلا عقب. هكذا جاءت في الروايات الإسلاميّة عن ابن عباس وقتادة. قال الكلبي : لمّا خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلّا ولده ونساءهم. (٤) ومن ثمّ كان نوح عليهالسلام هو الأب الثاني لكافّة البشر بعد آدم عليهالسلام.
لكنّه يتنافى وقوله تعالى خطابا لبني إسرائيل : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ). (٥)
__________________
(١) قصص الأنبياء للنجّار ، ص ٤٨.
(٢) تفسير المنار ، ج ١٢ ، ص ١٠٤.
(٣) الصافّات ٣٧ : ٧٧.
(٤) مجمع البيان ، ج ٧ ، ص ٤٤٧.
(٥) الإسراء ١٧ : ٣.
