يقول الدكتور عبد الوهاب النجّار ـ معلّقا على ذلك في الهامش ـ : الذي ألاحظه ، أنّ عبارة دائرة المعارف الإسلامية كعبارة أكثر المفسّرين ، تعتبر أنّ قوله تعالى (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) خبر عن مدّة مكث أهل الكهف في كهفهم منذ دخلوه إلى أن استيقظوا!
ولكنّي أفهم غير ذلك وأقول : إنّ قوله (وَلَبِثُوا ...) معمول لقوله (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ...) فهو من مقول السائلين وليس خبرا من الله تعالى ، ولذا أتبع ذلك القول بقوله (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ). وكذا هنا أتبع قوله (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ...) بقوله (اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...).
فالقرآن ساكت عن عددهم وكذا عن مقدار لبثهم ، إذ لا غرض يترتب على الهدف الذي ساقه القرآن.
وقد ورد هذا القول عن ابن عباس وتلميذه قتادة.
قال ابن عباس : إنّ الرجل ليفسّر الآية يرى أنّها كذلك ، فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض!
ثمّ تلا : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ...) قال : لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) ، لكنّه حكى مقالة القوم في العدد وفي المدّة ، وردّ عليهم بأنّه تعالى أعلم.
وقال قتادة : في حرف (أي قراءة) ابن مسعود : وقالوا لبثوا في كهفهم ... يعني إنّما قاله الناس ، ألا ترى أنّه قال : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا).
وفي رواية اخرى عنه أيضا : هذا قول أهل الكتاب ، فردّ الله عليهم (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا). (١)
* * *
قلت : قصّة أصحاب الكهف ، حسبما جاءت في القرآن ، قصّة قديمة موغلة في القدم ، يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد ، ولعلّه بقرون. ولأنّها بقضيّة يهوديّة أشبه منها أن تكون قضيّة مسيحيّة.
__________________
(١) الدرّ المنثور ، ج ٥ ، ص ٣٧٩.
