(قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)(١)
شاهد ثالث أخذوه دليلا على عموم الطوفان :
قال العلّامة الطباطبائي : هذا كالنصّ في أنّ الطوفان عمّ البقاع اليابسة من الأرض جميعا أو معظمها الذي هو بمنزلة الجميع. قال : ولو كان الطوفان خاصّا بصقع من أصقاع الأرض وناحية من نواحيها ـ كالعراق على ما قيل ـ لم يكن أيّ حاجة إلى أن يحمل في السفينة من كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين اثنين. (٢)
وهذا المعنى قائم على أساس ما حسبه المفسّرون في سبب حمل زوجين من كلّ جنس من الحيوان لعلّة استبقاء نسلها لئلّا تنقرض. قال صاحب المنار : والتقدير ـ على قراءة حفص [بتنوين كلّ] ـ : احمل فيها من كلّ نوع من الأحياء أو الحيوان زوجين اثنين ذكرا وأنثى ، لأجل أن تبقى بعد غرق سائر الأحياء فتتناسل ويبقى نوعها على الأرض. (٣)
وعامّة المفسّرين على ذلك ، ولعلّهم متأثّرون بنصّ التوراة وتوارد الإسرائيليات بهذا المعنى. جاء في سفر التكوين : ومن جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وانثى ، ومن البهائم غير الطاهرة اثنين ذكرا وانثى ، ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا وانثى ، لاستبقاء نسل على وجه كلّ الأرض. (٤) وهكذا ورد في الإسرائيليات. (٥)
ولكن ما قدر السفينة حتّى يحمل فيها مثل هذا العدد الجمّ من أنواع الحيوان الأهلية والوحشية والحشار والطيور لئلّا ينقرض نسل الأحياء. بل وفي هذه الروايات : حمل الأزواج من أنواع النبات والشجر والأعشاب ، وهو من الغرابة بمكان!!
وبحقّ قال سيّد قطب : ومرّة اخرى تتفرّق الأقوال حول (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). وتشيع في الجوّ رائحة الإسرائيليات قويّة.
وتعقّبه بقوله : أمّا نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتطّ حول النصّ (احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ممّا يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء ، وما وراء ذلك خبط عشواء. (٦)
__________________
(١) هود ١١ : ٤٠ ؛ المؤمنون ٢٤ : ٢٧.
(٢) تفسير الميزان ، ج ١٠ ، ص ٢٧٤.
(٣) تفسير المنار ، ج ١٢ ، ص ٧٦.
(٤) سفر التكوين ، إصحاح ٧ / ٢ ـ ٣.
(٥) راجع : الدرّ المنثور للسيوطي ، ج ٤ ، ص ٤٢٣ فما بعد.
(٦) في ظلال القرآن ، ج ١٢ ، ص ٦٢ ، مجلّد ٤ ، ص ٥٤٨.
