ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ. قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ). (١)
في هذه الآية موضعان يمكن الاستناد إليهما تدليلا على شمول الطوفان :
١ ـ التعبير بالموج الهائل كالجبال ، ممّا لا يحدث إلّا في متّسع من خضمّ الماء المتراكم.
٢ ـ محاولة ابن نوح للصعود إلى جبل يعصمه من الماء ، ولكن نوحا أنذره أن لا عاصم اليوم. ومعنى ذلك أنّ الماء سيغطّي الجبال أيضا ولا يذر موضعا يأوي إليه. وهكذا ابتلعه الموج الهائم فكان من المغرقين.
لكن لا شكّ أنّ هضبة كبيرة واسعة الأرجاء إذا ازدحمت عليها المياه واكتنفتها السيول العارمة من كلّ جانب وفاضت ينابيع الأرض فإنّ الماء ليجول ويصول في ساحتها وربّما ارتفعت إلى عشرات الأمتار. وفي مثل هذا الخضمّ من الماء الهائم والذي في عرضة الطوفان وهبوب رياح عاصف لا بدّ أنّ تحصل أمواج عالية وعاتية تلوي على كلّ شيء ، ولا بدّ أنّ ابن نوح كان واقفا على مرتفع من الأرض ليرى تجوال السفينة على وجه الماء ، وحينما كلّمه أبوه ـ وهو راكب في السفينة ـ لم يعبه بنصح أبيه ، وأنّه سوف يأوي إلى أعالي الجبال. لكنّه غافل أنّ السيول الهائمة المنحدرة على سفوح الجبال سوف تلوي به إلى أعماق الغرق ، وبالفعل نزلت به النازلة وحال بينه وبين أبيه الموج فكان من الهالكين.
وليس في ذلك دلالة على أنّ الماء سوف يرتفع على قمم الجبال الشامخة في كلّ مناحي الأرض.
وهكذا رجّح العلّامة الشعراني أنّ الماء لم يرتفع في أرض الطوفان (هضبة ما بين النهرين) أكثر من عشرين أو ثلاثين مترا ، ممّا لا يمكن غشيانه قلل جبال رفيعة كقلّة آرارات من سلسلة جبال جودي. (٢)
__________________
(١) هود ١١ : ٤٢ و ٤٣.
(٢) معجم لغات القرآن للعلّامة أبي الحسن الشعراني (ملحق تفسير أبي الفتوح الرازي ، ج ١١ ، ص ١٤٤).
