(رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ)(١)
أخذوا من هذه الآية دليلا على عموم الطوفان وشموله لوجه الأرض كلّها.
قال الشيخ محمّد عبده : ليست الآية نصّا في أنّ المراد بالأرض هذه الكرة كلّها ، فإنّ المعروف في كلام الأنبياء والأقوام وفي أخبارهم أن تذكر الأرض ويراد بها أرضهم ووطنهم ، كقوله تعالى حكاية عن خطاب فرعون لموسى وهارون : (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ)(٢) يعنى أرض مصر ، وقوله : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها)(٣) فالمراد بها مكّة ، وقوله : (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)(٤) والمراد ديار فلسطين ، والشواهد على ذلك كثيرة.
قال : وظواهر الآيات تدلّ بمعونة القرائن والتقاليد الموروثة عن أهل الكتاب ، على أنّه لم يكن في الأرض كلّها في زمن نوح إلّا قومه ـ «وهو في أوّليات حياة البشر» ـ وأنّهم هلكوا كلّهم بالطوفان ولم يبق بعده فيها غير ذرّيته. وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبالها ، لا في الأرض كلّها. إلّا إذا كانت اليابسة منها في ذلك الزمن صغيرة لقرب العهد بالتكوين وبوجود البشر عليها فإنّ علماء التكوين وطبقات الأرض (الجيولوجية) يقولون : إنّ الأرض كانت عند انفصالها من الشمس كرة نارية ملتهبة ثمّ صارت كرة مائية ، ثمّ ظهرت فيها اليابسة بالتدريج. (٥)
وبذلك ظهر عدم دلالة الآية (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ)(٦) على شمول الطوفان لعامّة وجه الأرض ، بعد فرض محدودية نطاق النسل البشري آنذاك (في عهد بعيد جدّا) وعدم الانتشار في أقطار الأرض. ولا نتسلّم بما حدّدته التوراة من التاريخ القريب ولا مستند لها.
(لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ)
شاهد آخر التمسوه دليلا على عموم الطوفان.
قال تعالى : (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ. وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَ
__________________
(١) نوح ٧١ : ٢٦.
(٢) يونس ١٠ : ٨٧.
(٣) الإسراء ١٧ : ٧٦.
(٤) الإسراء ١٧ : ٤.
(٥) تفسير المنار ، ج ١٢ ، ص ١٠٦.
(٦) الصافّات ٣٧ : ٧٧.
